بوريس كاغارليتسكي: الماركسي الذي حاول تفسير روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي

بقلم: سمير سليم
لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 مجرد نهاية لدولة عظمى، بل كان زلزالًا فكريًا وسياسيًا غيّر شكل العالم وطرح أسئلة كبرى حول مستقبل الاشتراكية، وطبيعة الرأسمالية، ومصير روسيا التي انتقلت خلال سنوات قليلة من دولة اشتراكية تقودها أيديولوجيا رسمية إلى دولة تبحث عن موقع جديد داخل النظام العالمي.
في قلب هذا التحول التاريخي ظهر اسم بوريس كاغارليتسكي، أحد أبرز المفكرين الماركسيين الروس المعاصرين، الذي حاول قراءة التحولات الروسية بعيدًا عن التفسيرات السطحية. فهو لم يعتبر سقوط الاتحاد السوفيتي دليلًا على نهاية فكرة العدالة الاجتماعية، كما لم يدافع عن العودة إلى الماضي السوفيتي كما كان، بل حاول البحث عن تفسير نقدي لأسباب الانهيار، ولطبيعة النظام الذي نشأ بعده.
ولد بوريس كاغارليتسكي في موسكو في نوفمبر 1958، ونشأ فكريًا في مرحلة كان فيها الاتحاد السوفيتي يعيش تناقضًا بين شعاراته الرسمية حول الاشتراكية وبين واقع سياسي واجتماعي اتسم بتزايد نفوذ البيروقراطية وتراجع المشاركة الشعبية.
ومنذ شبابه، اختار كاغارليتسكي طريق المثقف النقدي؛ فقد تعامل مع الماركسية باعتبارها أداة لتحليل المجتمع والتاريخ، وليس مجرد مجموعة شعارات سياسية. ولذلك دخل في صدام مبكر مع السلطات السوفيتية بسبب نشاطه الفكري، لكنه واصل مشروعه الذي يقوم على محاولة فهم العلاقة بين السلطة والاقتصاد والطبقات الاجتماعية.
من المعارضة الفكرية في الاتحاد السوفيتي إلى تحليل روسيا الجديدة
في سبعينيات القرن العشرين، ظهرت داخل الاتحاد السوفيتي دوائر فكرية شبابية حاولت إعادة قراءة الماركسية بعيدًا عن التفسير الرسمي الذي تبنته الدولة. وكان كاغارليتسكي من بين هؤلاء الذين رأوا أن المشكلة الأساسية ليست في فكرة الاشتراكية نفسها، بل في تحول النظام إلى جهاز بيروقراطي مغلق ابتعد عن مشاركة العمال والديمقراطية السياسية.
وفي عام 1982 تعرض للاعتقال بسبب نشاطه الفكري والسياسي، لكن هذه التجربة لم تغير قناعاته، بل دفعته إلى مزيد من البحث في أسباب الأزمة السوفيتية.
مع وصول ميخائيل جورباتشوف إلى السلطة في مارس 1985 وبدء سياسات البيريسترويكا والغلاسنوست، ظهرت مساحة أكبر للنقاش العام، وأصبح كاغارليتسكي من الأصوات التي طالبت بإصلاح الاشتراكية على أساس ديمقراطي، وليس باستبدالها بالرأسمالية الغربية.
لكن انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 فتح مرحلة جديدة تمامًا؛ فقد واجهت روسيا تجربة انتقال اقتصادي وسياسي عاصفة، عُرفت بسياسات “العلاج بالصدمة”، التي أدت إلى تحرير الأسعار وخصخصة واسعة لمؤسسات الدولة.
رأى كاغارليتسكي أن هذه العملية لم تكن مجرد تحول اقتصادي طبيعي، بل أدت إلى نقل جزء كبير من الثروة الوطنية إلى أيدي مجموعة صغيرة من رجال الأعمال الذين أصبحوا يعرفون باسم “الأوليغارشية”، بينما عانى ملايين الروس من تراجع مستوى المعيشة وفقدان الأمان الاجتماعي.
نقد الرأسمالية الروسية وصعود الدولة الجديدة
اعتبر كاغارليتسكي أن روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم تتحول إلى نسخة من الرأسمالية الغربية، بل نشأ فيها نموذج خاص يجمع بين قوة الدولة ومصالح رأس المال الكبير والاعتماد على تصدير الموارد الطبيعية.
وبحسب تحليله، فإن نظام فلاديمير بوتين الذي بدأ مع وصوله إلى السلطة في ديسمبر 1999 لم يلغِ الرأسمالية الروسية، لكنه أعاد تنظيم العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال. فقد استعادت الدولة نفوذها في القطاعات الاستراتيجية، بينما استمرت الملكية الخاصة ودور رأس المال الكبير.
كان يرى أن قوة الدولة وحدها لا تكفي لبناء مجتمع مستقر، وأن غياب المشاركة الديمقراطية الحقيقية قد يؤدي إلى أزمات جديدة مهما بلغت قوة المؤسسات الرسمية.
كما رفض كاغارليتسكي اختزال السياسة الروسية في الصراع بين “الديمقراطية والسلطوية” فقط، مؤكدًا أن القضايا الاقتصادية والاجتماعية والطبقية لا تقل أهمية عن شكل النظام السياسي.
كاغارليتسكي والماركسية في القرن الحادي والعشرين
مع بداية القرن الحادي والعشرين، توسع اهتمام كاغارليتسكي من تحليل روسيا إلى دراسة النظام العالمي كله. فقد رأى أن العولمة النيوليبرالية لم تؤدِ إلى توزيع متوازن للثروة، بل عززت نفوذ رأس المال العالمي وزادت الفجوة بين الدول والمجتمعات.
متأثرًا بتيارات الماركسية الجديدة ونظريات النظام العالمي، حاول تفسير مكانة روسيا داخل الاقتصاد الدولي، معتبرًا أنها لم تدخل بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى عالم متساوٍ، بل إلى نظام عالمي تحكمه موازين قوة غير متكافئة.
وكان يؤكد أن مستقبل اليسار لا يمكن أن يعتمد على الحنين إلى الماضي، بل يحتاج إلى إعادة بناء مشروع يقوم على العدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق العمال.
الحرب الأوكرانية ومواجهة السلطة الروسية
مع تصاعد التوترات بين روسيا والغرب منذ عام 2014، ثم اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير 2022، دخل بوريس كاغارليتسكي مرحلة جديدة من الجدل السياسي. فقد حاول تفسير الصراع من خلال رؤيته الماركسية التي تربط بين السياسة والاقتصاد وموازين القوى الدولية.
لم ينظر كاغارليتسكي إلى الحرب باعتبارها مجرد نتيجة لقرار سياسي منفرد، بل حاول وضعها في إطار أوسع يتعلق بأزمة النظام الدولي بعد نهاية الحرب الباردة، وتوسع نفوذ القوى الكبرى، والتنافس الجيوسياسي بين روسيا والولايات المتحدة وحلفائها.
في الوقت نفسه، انتقد استمرار الحرب، معتبرًا أن الصراعات العسكرية لا تحل الأزمات التاريخية والاجتماعية، وأن الشعوب هي التي تتحمل في النهاية تكلفة المواجهات بين الدول.
هذا الموقف وضعه في مواجهة مع السلطات الروسية، ففي أغسطس 2023 تم توقيفه في روسيا، ووجهت إليه اتهامات مرتبطة بمواقفه السياسية، وهو الأمر الذي أثار نقاشًا واسعًا حول حرية التعبير ووضع المعارضين السياسيين في روسيا.
وبالنسبة لأنصاره، فإن قضية كاغارليتسكي تؤكد موقعه كمثقف مستقل لم يربط أفكاره بمصلحة أي سلطة، سواء كانت سلطة رأسمالية غربية أو دولة قومية قوية.
بين اليسار التقليدي واليسار الجديد
يمثل كاغارليتسكي حالة خاصة داخل اليسار الروسي. فهو لم يكن جزءًا من التيار الشيوعي التقليدي الذي ركز على الدفاع عن التجربة السوفيتية، كما لم يكن من التيارات الليبرالية التي اعتبرت اقتصاد السوق الحل النهائي لمشكلات روسيا.
لقد حاول بناء تيار يساري ديمقراطي يجمع بين العدالة الاجتماعية والحريات السياسية. ولذلك انتقد الحزب الشيوعي الروسي بسبب ما اعتبره اعتمادًا كبيرًا على خطاب الماضي، وعدم تقديم تصور واضح لمستقبل مختلف.
وفي المقابل، انتقد التيارات الليبرالية الروسية التي ركزت على تغيير النظام السياسي دون تقديم حلول لمشكلات الفقر وعدم المساواة وهيمنة رأس المال.
كان يؤمن بأن اليسار في القرن الحادي والعشرين يحتاج إلى العودة إلى جذوره الاجتماعية: الدفاع عن العمال، ومواجهة تركز الثروة، وبناء مؤسسات ديمقراطية حقيقية تسمح بمشاركة المواطنين في صنع القرار.
لماذا يظل كاغارليتسكي مهمًا؟
تنبع أهمية بوريس كاغارليتسكي من أنه كان شاهدًا على مرحلة تاريخية كاملة في روسيا. فقد عاش سنوات الاتحاد السوفيتي الأخيرة، وشهد انهياره، وراقب ولادة الرأسمالية الروسية، ثم صعود الدولة المركزية في عهد بوتين.
وقد حاول طوال هذه العقود الإجابة عن أسئلة صعبة:
هل كان انهيار الاتحاد السوفيتي نهاية للاشتراكية أم نهاية لنموذج معين منها؟
هل يمكن بناء مجتمع عادل داخل النظام الرأسمالي؟
كيف يمكن الجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية؟
وما مستقبل اليسار في عالم تغيرت فيه طبيعة الاقتصاد والعمل والصراع السياسي؟
قد يختلف البعض مع تحليلاته أو مواقفه، لكن من الصعب تجاهل أنه كان واحدًا من أبرز المثقفين الذين حاولوا فهم روسيا الحديثة من داخل تناقضاتها، وليس من خلال الصور الجاهزة عنها.
مفكر بين الماضي والمستقبل
إن قصة بوريس كاغارليتسكي ليست فقط قصة مفكر ماركسي روسي، بل هي قصة جيل كامل عاش انهيار عالم قديم وبداية عالم جديد.
فقد رفض أن يرى التاريخ باعتباره انتصارًا نهائيًا للرأسمالية بعد عام 1991، كما رفض التعامل مع الاتحاد السوفيتي باعتباره تجربة كاملة لا تخضع للنقد. وظل يؤكد أن المجتمعات تتغير من خلال الصراع بين الأفكار والمصالح والطبقات الاجتماعية.
ربما يكون أكبر إسهام لكاغارليتسكي أنه حافظ على فكرة أن العدالة الاجتماعية ما زالت قضية مفتوحة، وأن البحث عن بديل للنظام القائم لا يمكن أن يتوقف رغم الأزمات والهزائم التاريخية.
وفي عالم يواجه أزمات اقتصادية متكررة، واتساعًا في الفوارق الاجتماعية، وصراعات دولية متزايدة، تبقى الأسئلة التي طرحها كاغارليتسكي حاضرة: كيف يمكن بناء مجتمع أكثر عدلًا؟ وكيف يمكن أن يكون للإنسان العادي دور حقيقي في صناعة مستقبله؟
ولهذا سيبقى بوريس كاغارليتسكي شخصية مهمة في تاريخ اليسار الروسي المعاصر؛ ليس لأنه قدم كل الإجابات، بل لأنه استمر في طرح الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات.
