انهيار اقتصادي يلوح ونفاذ الذخيرة ومخزون النفط… لماذا تراجع ترامب عن تهديده الكارثي لإيران؟

بقلم: مصطفى السعيد
لم تهتز إيران من تهديدات الرئيس الأمريكي ترامب بشن هجمات واسعة على المواقع العسكرية والنووية والبنية التحتية المدنية، بل تجهزت القوات الإيرانية للرد بالتدمير الفوري والشامل للبنية التحتية للغاز والنفط والكهرباء في دول الخليج والكيان، وبالطبع كان ترامب يتابع التقارير حول رد الفعل والاستعدادات الإيرانية، وكان يأمل أن يجد أي إشارة تردد أو تراجع من جانب إيران، لكنه تأكد من جدية التهديدات الإيرانية، والتفارير عن نتائجها الخطيرة، التي يتضاءل أمامها إغلاق مضيق هرمز تماما لأي فترة، فاحتراق أكبر آبار النفط والغاز في العالم سيؤدي إلى حرائق هائلة تمتد مئات الكيلو مترات، وتلتهم في طريقها كل شيء، الآبار والمصافي والبنية التحتية والمباني، وتتعطل محطات الكهرباء وتحلية المياه، ولن يكون هناك داع لقصفها، فلن يصلها الوقود وستتوقف عن العمل تلقائيا، وكذلك القواعد العسكرية وباقي الخدمات والمنشآت المدنية، وتؤدي إلى عمليات نزوح جماعية متزامنة، تفاقم من حالة الفوضى والإضطرابات في محاولات مستميتة للنجاة من الحرائق وتعطل الخدمات في درجات حرارة تفوق الخمسين درجة مئوية .. صور الحرائق وفرار الملايين ستؤدي إلى صدمة عالمية، وترتفع أسعار النفط إلى ما قوق 200 دولار فورا، وتمتد الفوضى إلى مختلف أنحاء العالم.
هذه الصورة المروعة ليست وحدها التي تمنع أي هجوم أمريكي للبنية التحتية في إيران، فيمكن أن تبدأ الهجمات الأمريكية بضربات محدودة تحاول أن تتجنب رد الفعل الإيراني السريع والواسع، لكن هناك أسبابا أخرى جعلت الهجوم الأمريكي عملية خطيرة على إقتصاد الولايات المتحدة، وفي مقدمتها أزمة سوق السندات الأمريكية، والتي تفاقمت مع عمليات بيع يابانية لكمية كبيرة من السندات لوقف انهيار الين الياباني، في أسوأ أزمة يمر بها منذ عام 1986، وليس أمام اليابان صاحبة أكبر حصة من السندات الأمريكية إلا أن تبيع كمية هائلة من السندات لشراء الين بالدولار لوقف الإنهيار الكبير، في وقت تحتاج فيه أمريكا لبيع سندات جديدة لتمويل عجز الموازنة وفوائد الديون الهائلة. هذه الأزمة كادت تفجر فقاعات الإقتصاد الأمريكي المتضخمة بلا علاج، ومن شأن إنفجار فقاعة السندات أن تؤدي إلى إنفجارات متتالية في قطاعات العقارات والبنوك وكل القطاع المالي.
أما أزمة نضوب الذخيرة فلا حل قريب لها، فالمجمع الصناعي العسكري الأمريكي المحكوم بربح المستثمرين لا ينتج إلا أسلحة غالية لتعظيم الأرباح، ولا ينتج مخزونا لا يضمن تصريفه، والمشكلة الأخطر أن الذخائر المعقدة تحتاج معادن نادرة من الصين، التي قيدت تصديرها.
مخزون النفط الأمريكي يقترب أيضا من النفاذ بعد انهاكه سد النقص الناجم عن إغلاق مضيق هرمز.
كان ترامب سيقف أمام مشهد لم يسبق أن رأى العالم مثيلا له في عمق وتتابع أزماته، بما يتجاوز الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي.
لم يكن مفاجئا أن يتراجع ترامب، فالكثير من النتائج المدمرة لقرار الهجوم على البنية التحتية الإيرانية كان معروفا، لهذا لم يأخذه الكثيرون على محمل الجد، لكن ترامب يمكن أن يرتكب أخطاء لا يدرك حجم تبعاتها، خاصة عندما يجد أن البديل هو الإذعان وإعلان الهزيمة بشكل أو آخر أمام إيران، فالنتيجة ستكون كارثية أيضا على ترامب وأمريكا، فضياع ما تبقى من هيبة أمريكا سيفتح أبواب الجحيم أيضا.
ترمب طلب أن توافق إيران على الدخول فورا إلى قاعة التفاوض وإعلان إتفاق سريع، وجاء الرد الإيراني غير المباشر بالإعلان أن وزير الخارجية عارقجي سافر إلى العراق للمشاركة في إحياء ذكرى الأربعين للإمام الحسين، أي أن رأس الدبلوماسية الإيرانية مشغول حتى إشعار آخر، ليضرب ترمب رأسه في الحائط غيظا.
