إبداعات عربيةعاجلمقالاتنحن والغرب

ديفيد هارفي: كيف أعاد الجغرافي البريطاني اكتشاف ماركس في عصر العولمة؟

بقلم: سمير سليم 

لم يكن كارل ماركس جغرافيًا، ولم يكتب عن المدن بوصفها موضوعًا مستقلًا، فقد انصب اهتمامه على تحليل الرأسمالية من خلال المصنع والعمل ورأس المال والصراع الطبقي. غير أن العالم الذي عرفه ماركس لم يبقَ على حاله. فمع اتساع المدن، وصعود الشركات العابرة للحدود، وتزايد نفوذ الأسواق المالية، أصبحت الحياة الحضرية نفسها جزءًا من آلية عمل الرأسمالية. ولم تعد المدينة مجرد مكان يعيش فيه الناس، بل تحولت إلى ساحة تتجمع فيها الاستثمارات، وتتحدد فيها أسعار الأراضي، وتُبنى فيها شبكات النقل، وتتشكل من خلالها أنماط جديدة من التفاوت الاجتماعي.

وسط هذه التحولات برز المفكر البريطاني ديفيد هارفي، ليطرح سؤالًا بدا بسيطًا في ظاهره، لكنه حمل أبعادًا عميقة في مضمونه: هل يمكن فهم الرأسمالية الحديثة من خلال دراسة المدينة كما نفهمها من خلال دراسة المصنع؟ وهل تكشف الجغرافيا عن جوانب من النظام الرأسمالي لم يلتفت إليها كثير من الاقتصاديين؟

بهذا السؤال فتح هارفي بابًا جديدًا في الفكر الماركسي، فلم يتخلَّ عن أفكار ماركس، ولم يسع إلى استبدالها، بل حاول أن يقرأها في ضوء عالم تغيرت فيه مراكز الإنتاج، وتعاظم فيه دور المال والعقارات والأسواق العالمية. وهكذا أصبح واحدًا من أبرز المفكرين الذين أعادوا تقديم الماركسية لجيل جديد، وربطوا بينها وبين قضايا المدينة والبيئة والعولمة والأزمات الاقتصادية.

ولد ديفيد هارفي في بريطانيا عام 1935، وبدأ حياته الأكاديمية باحثًا في الجغرافيا. وفي سنواته الأولى انشغل بدراسة توزيع السكان، وأنماط العمران، والعلاقة بين الإنسان والمكان. غير أن الأحداث التي شهدها العالم خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين دفعته إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي كانت سائدة داخل علم الجغرافيا. فقد رأى أن دراسة المدن لا يمكن أن تقتصر على وصف الشوارع أو المباني أو التوزيع السكاني، لأن هذه المظاهر ليست منفصلة عن النظام الاقتصادي الذي ينتجها. ومن هنا بدأ رحلته نحو الفكر الماركسي، مقتنعًا بأن فهم المكان لا ينفصل عن فهم الاقتصاد، وأن المدينة ليست مجرد نتيجة للتطور، بل هي جزء من الطريقة التي تعمل بها الرأسمالية نفسها.

كان هارفي يرى أن الرأسمالية لا تبحث فقط عن إنتاج السلع، بل تبحث دائمًا عن مجالات جديدة لاستثمار الأموال وتحقيق الأرباح. وعندما تتراجع فرص الربح في قطاع معين، ينتقل رأس المال إلى مجالات أخرى. ومن هنا وجد أن المدن أصبحت إحدى أهم الوسائل التي تستوعب الاستثمارات الضخمة، سواء من خلال التوسع العمراني، أو بناء الطرق والجسور، أو إنشاء الأحياء الجديدة، أو إقامة المشروعات العقارية الكبرى.

وبهذا المعنى لم يكن ازدهار البناء في نظره مجرد استجابة لحاجة الناس إلى السكن، بل كان أيضًا وسيلة يستخدمها رأس المال لتجاوز أزماته. فعندما تتكدس الأموال ولا تجد مجالات كافية للاستثمار في الإنتاج، تتجه إلى العقارات والمشروعات العمرانية، وهو ما يفسر موجات التوسع الحضري التي شهدتها مدن كثيرة في العالم خلال العقود الأخيرة.

لكن هذه العملية لا تمر دائمًا بصورة هادئة. فالتوسع العمراني قد يرفع أسعار الأراضي بصورة تجعل السكان الأصليين عاجزين عن البقاء في أحيائهم، وقد يؤدي إلى إزالة مناطق كاملة لإقامة مشروعات جديدة، أو إلى تحويل مساحات كانت مخصصة للخدمات العامة إلى استثمارات خاصة. ولذلك رأى هارفي أن المدينة أصبحت واحدة من أهم ميادين الصراع الاجتماعي في العصر الحديث.

ومن هنا انتقل إلى تطوير واحد من أشهر مفاهيمه، وهو مفهوم التراكم عبر نزع الملكية. ويرى هارفي أن الرأسمالية لا تحقق تراكم الثروة فقط من خلال الإنتاج والعمل، وإنما أيضًا من خلال نقل الثروة الموجودة أصلًا من المجتمع إلى القطاع الخاص. ويتخذ ذلك أشكالًا متعددة، مثل خصخصة المؤسسات العامة، وبيع الأراضي المملوكة للدولة، وتحويل الخدمات الأساسية إلى مشروعات ربحية، والاستيلاء على الموارد الطبيعية، وإعادة توجيه الثروة العامة نحو مصالح فئات محدودة.

ويؤكد هارفي أن هذا النمط من التراكم ليس استثناءً، بل أصبح أحد السمات البارزة للرأسمالية المعاصرة، خاصة منذ اتساع السياسات التي دعت إلى تقليص دور الدولة وفتح الأسواق أمام الاستثمار الخاص. ففي كثير من البلدان، لم تعد الخصخصة مجرد وسيلة لتحسين الإدارة كما كان يُقال، بل أصبحت جزءًا من عملية أوسع لإعادة توزيع الثروة والنفوذ داخل المجتمع.

ولذلك كان هارفي شديد الاهتمام بما عُرف لاحقًا بالعولمة. لكنه لم ينظر إليها بوصفها مجرد تطور طبيعي في وسائل الاتصال أو التجارة، بل اعتبرها مرحلة جديدة من تطور الرأسمالية، أصبح فيها رأس المال أكثر قدرة على الحركة عبر الحدود، وأسرع في الانتقال من دولة إلى أخرى بحثًا عن الأرباح.

وهكذا لم تعد الشركات الكبرى مرتبطة بمكان واحد، بل أصبحت تنقل مصانعها واستثماراتها وفقًا لحسابات التكلفة والربح، الأمر الذي أعاد رسم الخريطة الاقتصادية للعالم، وأوجد تفاوتات جديدة بين الدول والمدن والمناطق.

لم يكن اهتمام هارفي بالعولمة منفصلًا عن اهتمامه بالأزمات الاقتصادية. فقد رأى أن الرأسمالية لا تسير في خط مستقيم، وإنما تمر بصورة دورية بحالات من الازدهار يعقبها الركود والأزمات. ولم يكن يعتبر هذه الأزمات حوادث استثنائية يمكن تجنبها ببعض الإصلاحات، بل كان يرى أنها نابعة من التناقضات الداخلية للنظام نفسه. فالرأسمالية، في سعيها الدائم إلى تحقيق المزيد من الأرباح، توسع الإنتاج والاستثمار بصورة قد تتجاوز قدرة الأسواق على الاستيعاب، فتظهر الاختلالات التي تقود في النهاية إلى الأزمات.

وعندما انفجرت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجد كثيرون في كتابات هارفي تفسيرًا مختلفًا لما جرى. ففي حين ركزت تفسيرات عديدة على أخطاء البنوك أو ضعف الرقابة المالية، رأى هو أن الأزمة كانت نتيجة طبيعية لمسار طويل من السياسات الاقتصادية التي اعتمدت على المضاربات المالية والتوسع في الائتمان والاعتماد المفرط على قطاع العقارات بوصفه وسيلة لاستيعاب فائض رأس المال. ومن هنا لم يتعامل مع الأزمة باعتبارها نهاية مرحلة فقط، بل باعتبارها دليلًا جديدًا على أن الرأسمالية تعيد إنتاج أزماتها بصورة مستمرة، وإن اختلفت أشكالها من زمن إلى آخر.

ومن بين الأفكار التي جعلت اسم هارفي حاضرًا بقوة في النقاشات الفكرية والاجتماعية مفهوم الحق في المدينة. فبالنسبة إليه لا ينبغي النظر إلى المدينة باعتبارها سلعة يحدد شكلها المستثمرون أو شركات العقارات أو المؤسسات المالية وحدها، بل باعتبارها فضاءً اجتماعيًا يعيش فيه البشر، ومن حقهم أن يشاركوا في رسم مستقبله.

فالمدينة ليست مجموعة من المباني والطرق فحسب، وإنما هي المكان الذي تتشكل فيه العلاقات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ولذلك فإن القرارات المتعلقة بالتخطيط العمراني أو الإسكان أو وسائل النقل أو استخدام الأراضي لا تؤثر في شكل المدينة وحده، بل تؤثر أيضًا في حياة ملايين الناس. ومن هنا رأى أن الدفاع عن حق السكان في المشاركة في اتخاذ هذه القرارات يمثل جزءًا من الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

وقد وجدت هذه الفكرة صدى واسعًا في عدد كبير من الحركات الاجتماعية في مختلف أنحاء العالم، خصوصًا تلك التي دافعت عن الحق في السكن، أو رفضت تهجير السكان من أحيائهم، أو طالبت بالحفاظ على المساحات العامة والخدمات الأساسية. ولم يكن تأثير هارفي مقتصرًا على الجامعات أو مراكز البحث، بل امتد إلى كثير من النشطاء الذين وجدوا في أفكاره أدوات تساعدهم على فهم التحولات التي تشهدها المدن الحديثة.

ولم يتوقف اهتمامه عند حدود المدينة وحدها، بل وسع تحليله ليشمل العلاقة بين الرأسمالية والبيئة. فقد رأى أن السعي المستمر إلى تحقيق النمو الاقتصادي دون حدود يفرض ضغوطًا متزايدة على الموارد الطبيعية، ويؤدي إلى استنزاف البيئة بصورة تهدد مستقبل الأجيال القادمة. ولذلك كان يعتبر أن الأزمة البيئية لا يمكن فصلها عن طريقة عمل النظام الاقتصادي، وأن البحث عن حلول حقيقية يتطلب إعادة التفكير في أساليب الإنتاج والاستهلاك، وليس الاكتفاء بإجراءات فنية محدودة.

كما اهتم هارفي بتحليل العلاقة بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية، ورأى أن النفوذ المتزايد للشركات الكبرى والمؤسسات المالية جعل القرارات الاقتصادية تؤثر بصورة مباشرة في السياسات العامة، وهو ما يطرح أسئلة جديدة حول طبيعة الديمقراطية في المجتمعات الحديثة، وحدود قدرة المواطنين على التأثير في القرارات التي تمس حياتهم اليومية.

ورغم أن هارفي بريطاني الجنسية، فإن تأثيره تجاوز حدود بلاده بسنوات طويلة. فقد أصبحت كتبه تُدرَّس في جامعات عديدة، ووجدت أفكاره طريقها إلى نقاشات اقتصادية واجتماعية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وآسيا، كما لاقت اهتمامًا داخل بعض الأوساط اليسارية الروسية التي رأت في تحليلاته محاولة جادة لتطوير الفكر الماركسي وربطه بقضايا لم تكن تحظى بالاهتمام نفسه في الماضي، مثل التخطيط العمراني والبيئة والعولمة والفضاء الحضري.

ولعل أكثر ما يميز ديفيد هارفي أنه لم يحاول تقديم نفسه بوصفه شارحًا لماركس، وإنما بوصفه مفكرًا يسعى إلى استخدام المنهج الماركسي لفهم عالم جديد. فهو لم يكتف بإعادة قراءة النصوص الكلاسيكية، بل حاول أن يختبر قدرتها على تفسير التحولات التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة، وأن يضيف إليها ما يساعد على فهم قضايا لم تكن مطروحة في القرن التاسع عشر، مثل العولمة، والأسواق المالية، والتمدد العمراني، والأزمات البيئية، واتساع نفوذ الشركات متعددة الجنسيات.

وقد يختلف الباحثون حول بعض استنتاجاته، وقد يرى بعضهم أن تحليلاته تمنح العامل الاقتصادي وزنًا أكبر مما يستحق في تفسير الظواهر الاجتماعية، بينما يرى آخرون أن كثيرًا من أفكاره قدمت أدوات مهمة لفهم العلاقة المعقدة بين الاقتصاد والمكان. لكن ما يكاد يتفق عليه معظم الدارسين هو أن هارفي نجح في فتح مجال جديد داخل الفكر النقدي، وجعل الجغرافيا جزءًا أساسيًا من النقاش حول الرأسمالية الحديثة.

واليوم، في عالم تتسع فيه المدن بوتيرة غير مسبوقة، وتتزايد فيه أسعار المساكن، وتتغير فيه خرائط الاستثمار والهجرة والعمل، تبدو الأسئلة التي طرحها ديفيد هارفي أكثر حضورًا من أي وقت مضى. فهل تُبنى المدن لتلبية احتياجات سكانها، أم لخدمة حركة رأس المال؟ وهل يصبح العمران وسيلة لتحسين حياة الإنسان، أم يتحول إلى أداة جديدة لتعظيم الأرباح؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية وحق الناس في مدن يعيشون فيها بكرامة؟

ربما لا تكمن القيمة الحقيقية لمشروع ديفيد هارفي في أنه قدم إجابات نهائية عن هذه الأسئلة، بل في أنه أعاد توجيه الأنظار إلى حقيقة كثيرًا ما تُنسى، وهي أن المدينة ليست مجرد مكان نسكنه، بل هي مرآة تعكس طبيعة المجتمع الذي نبنيه، والنظام الاقتصادي الذي يحكمه، والقيم التي نختار أن تقوم عليها حياتنا. ولهذا يبقى ديفيد هارفي أحد أبرز المفكرين الذين وسعوا آفاق الفكر الماركسي، وجعلوا من الجغرافيا مفتاحًا لفهم الرأسمالية في عصر العولمة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى