خلف السياج النارى
معتز منصور / كاتب وباحث سياسي
اللافت في المشهد المتفجر بين واشنطن وطهران ليس فقط حجم القوة التي تتحرك في الإقليم، بل الطرف الذي لا يظهر في مقدمة الصورة. فبينما تمتلئ الأجواء بالقاذفات الأمريكية، وطائرات الحرب الإلكترونية، وأسراب التزود بالوقود، وتتحول القواعد الأمريكية إلى غرف عمليات متقدمة، تتراجع إسرائيل إلى خلف المشهد، رغم أنها كانت لعقود تقدم نفسها باعتبارها مركز المواجهة مع إيران وصاحبة مشروع الردع في المنطقة.
هذا الغياب النسبي ليس انسحاباً من الحرب، بل قد يكون أحد أكثر المؤشرات دلالة على طبيعة المرحلة الجديدة.
فإسرائيل لا تبدو خارج المعركة، بل تبدو محاطة بسياج ناري أمريكي واسع، تتحرك خلفه لا أمامه. والفرق بين الموقعين كبير، لأنه يكشف تغيراً في وظيفة إسرائيل داخل الصراع، من الطرف الذي يقود المواجهة إلى الطرف الذي يجب حمايته أثناء إدارتها.
في المراحل السابقة كانت المعادلة واضحة: إسرائيل تتحرك أولاً، والولايات المتحدة توفر الغطاء السياسي والعسكري عند الحاجة. أما في هذه المرحلة، فقد انقلب الاتجاه. واشنطن هي التي تتصدر المشهد، وهي التي تعلن التهديدات، وتحشد القوات، وتعيد توزيع القواعد، بينما تكتفي تل أبيب بالدور الخلفي، في انتظار نتائج صراع بات يتجاوز قدرتها المنفردة على التحكم بمساره.
والسبب لا يتعلق فقط بقدرات عسكرية مختلفة، بل بطبيعة الحرب التي انتقلت إلى مستوى آخر.
فالمواجهة لم تعد تدور حول ضرب مواقع عسكرية محددة، بل حول قدرة كل طرف على تعطيل البيئة التي تسمح للخصم بالاستمرار. الكهرباء، والموانئ، وشبكات الطاقة، والملاحة، وخطوط الإمداد، أصبحت جزءاً من بنك الأهداف. وهذا النوع من الحرب يحتاج إلى قدرات انتشار بعيدة المدى، وحرب إلكترونية، ووسائل ردع استراتيجية، وهي أدوات تقع في صميم القوة الأمريكية.
لكن خلف الحسابات العسكرية توجد زاوية أكثر حساسية، تتعلق بصورة التحالف نفسه.
إن ظهور إسرائيل بشكل علني ومباشر في مقدمة المواجهة مع إيران يحمل كلفة سياسية كبيرة بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها في المنطقة. فالحرب التي تظهر باعتبارها تحالفاً أمريكياً إسرائيلياً واضحاً تصبح أكثر قدرة على توحيد خصوم هذا التحالف، وتمنح إيران فرصة لإعادة تقديم الصراع باعتباره مواجهة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، والمنطقة من جهة أخرى.
وهنا تصبح إدارة الصورة جزءاً من إدارة الحرب.
فواشنطن لا تحاول فقط تحقيق أهداف عسكرية، بل تحاول أيضاً الحفاظ على إطار سياسي يسمح باستمرار تحالفاتها الإقليمية. لذلك قد يكون من مصلحتها أن يبقى عنوان الحرب مرتبطاً بأمن الملاحة، وحماية القواعد، واستقرار الطاقة، لا باعتباره حرباً مباشرة من أجل إسرائيل.
إسرائيل، بهذا المعنى، لا تختفي لأنها غير موجودة، بل لأنها أصبحت عنصراً يجب تقليل ظهوره.
فكلما ظهرت في الواجهة، ازدادت قدرة خصومها على توسيع دائرة الصراع سياسياً. وكلما بقيت خلف الستار، ازدادت قدرة واشنطن على إدارة التحالف وتخفيف الضغوط عن شركائها.
لكن المفارقة الأكبر أن هذا التراجع في الواجهة يكشف تحولاً تاريخياً في معادلة الردع.
إسرائيل التي بنت صورتها لعقود باعتبارها القوة التي توفر الأمن للغرب في الشرق الأوسط، تبدو اليوم أكثر اعتماداً على منظومة ردع أمريكية تحيط بها. القواعد الأمريكية، والأساطيل، والطائرات الاستراتيجية، والحماية السياسية في المؤسسات الدولية، كلها أصبحت جزءاً من منظومة حماية إسرائيلية لا يمكن فصلها عن مسار الحرب.
لقد تغير اتجاه العلاقة.
في السابق كانت إسرائيل تقف خلف الولايات المتحدة عندما تحتاج إلى غطاء دولي.
أما اليوم، فتبدو الولايات المتحدة هي التي تقف أمام إسرائيل لتوفير الغطاء العسكري والاستراتيجي.
وهذا ما يفسر أيضاً طبيعة الرد الإيراني. فطهران لا تنظر إلى إسرائيل وحدها باعتبارها الهدف، بل إلى الشبكة التي تحميها. ولذلك تنتقل التهديدات إلى القواعد الأمريكية، ومنشآت الطاقة الخليجية، والموانئ، والممرات البحرية. فالهدف ليس فقط إيقاع الضرر، بل جعل الحلفاء جميعاً يشعرون بأن تكلفة الحرب لن تبقى محصورة داخل الحدود الإيرانية.
من هنا تصبح معركة هرمز والبحر الأحمر أكثر من مجرد مواجهة بحرية. إنها محاولة لإعادة تعريف من يملك القدرة على التحكم في شرايين الاقتصاد العالمي. فمن يسيطر على تدفق الطاقة والتجارة لا يملك فقط ورقة عسكرية، بل يملك قدرة على التأثير في القرار السياسي للدول.
ولهذا فإن الحرب الحالية لا تقاس فقط بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على فرض كلفة جديدة على خصمه.
واشنطن تحاول نقل الضغط إلى الداخل الإيراني عبر استهداف البنية الحيوية.
وطهران تحاول نقل الضغط إلى شبكة المصالح الأمريكية في الإقليم.
وإسرائيل تحاول البقاء داخل المعادلة، ولكن بعيداً عن مركز النار المباشر.
لكن السؤال الأعمق الذي تكشفه هذه المرحلة هو: هل أصبحت إسرائيل عبئاً سياسياً على تحالف القوة الذي يحميها؟
ليس بمعنى أنها فقدت أهميتها، بل بمعنى أن ظهورها العلني قد يرفع تكلفة الحرب على هذا التحالف. ولذلك قد يكون أفضل أدوارها في هذه اللحظة هو الدور الأقل ظهوراً.
فالدولة التي قدمت نفسها طويلاً باعتبارها رأس الحربة، تجد نفسها اليوم خلف السياج الناري الذي تبنيه الولايات المتحدة حولها.
وهنا تكمن المفارقة الاستراتيجية الكبرى: كلما ازدادت الحاجة إلى حماية إسرائيل، أصبح من الضروري تقليل ظهورها. وكلما اتسعت المظلة الأمريكية فوقها، ظهر سؤال لم يعد بالإمكان تجاهله: هل تخوض الولايات المتحدة حرباً لحماية مصالحها في الشرق الأوسط، أم أنها تخوض حرباً أصبحت حماية إسرائيل مركزها الحقيقي؟
الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أهم من أي معركة عسكرية ستأتي لاحقاً، لأنها تحدد شكل النظام الإقليمي الذي سيولد بعد انتهاء هذه المواجهة.
