لماذا يحكم الحمقى هذا العالم؟

كتب: هانى الكنيسى
ثمة عبارة تُنسب إلى الفيلسوف الدنماركي ‘سورين كيركغور’ Søren Kierkegaard تقول: “هناك طريقتان ليُخدع الإنسان: أن يصدّق ما ليس صحيحاً، أو أن يرفض تصديق ما هو صحيح”.
هذه الجملة تختصر بدقة إحدى المعضلات السياسة: الخديعة لا تحتاج دائماً إلى كاذب بارع؛ يكفي أحياناً جمهور يريد أن يصدق.
فالإنسان لا ينخدع فقط عندما يبتلع كذبة لأنه لم يعرف أنها كذبة، وإنما عندما يرفض حقيقة -يعرف في قرارة نفسه- أنها صحيحة، لأنها مؤلمة أو محرجة.
وهنا يصبح السؤال: هل نريد الحقيقة فعلاً، أم نريد “رواية” نعايشها؟
في عصرنا الرقمي المذهل بسهولة الوصول إلى المعلومات، لم تعد المشكلة مرتبطة بنقص المعرفة بل بطريقة استخدامها. فالجميع غارق في طوفان البيانات والتقارير والدراسات والأرقام والصور بأشكالها.
لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة في الحكمة.
أحياناً يحدث العكس: كلما ازداد العالم تعقيداً، ازدادت جاذبية الشخص الذي يقدم تفسيراً واحداً بسيطاً لكل شيء.
“أنا أعرف”، تبدو أكثر جاذبية من “لست متأكداً” أو “الوضع معقّد ويحتاج لدراسة وعمل”.
وهكذا يتبلور ما يُسمّى ” اليقين السياسي” Political Certainty ؛ أي المنهجية التي لا تقدّم الحلول بقدر ما تبيع “الشعور بأن الحل موجود”. (بالتعبير الشعبي: طلبك عندي)
جزء من تلك الظاهرة يرتبط بالطريقة التي يعمل بها العقل البشري تحت الضغط. ففي ظروف الخوف والاضطراب، تتزايد الرغبة في تقليص مساحة الشك والرمادية التي تتطلب التفكير وإعمال العقل. لأن الشخص العادي (المطحون) لا يريد تحليلاً دقيقاً لاحتمالات متعددة؛ بل يريد أن يعرف من الصديق ومن العدو، ومن المسؤول ومن المنقذ، وماذا ينبغي أن يفعل الآن.
وهذا ما يجعل “الخطاب الشعبوي” Populist Rhetoric أكثر جاذبية للعامة. فهو لا يبالي بكم المعلومات أو بدقتها، بل يتوخى “بساطة السردية” وارتباطاتها العاطفية. فالشعبوية تختزل العالم إلى معادلة بسيطة: شعب طيب في مواجهة نخبة فاسدة، وطن مهدد في مواجهة عدو واضح، ماضي عظيم في مواجهة حاضر كارثي، وقائد واحد قادر على إنقاذ البلاد.
أما صاحب الرؤية، الذي يعرف أن لكل قرار كلفته ولكل خطوة تداعياتها وأن المنتقدين ليسوا دائماً شياطين والمناصرين ليسوا ملائكة بالضرورة، فقد يبدو في نظر العامة أضعف أو أقل قدرة على القيادة.
حتى في الأنظمة “الديمقراطية”،فإن هذا النوع من “الأمانة المعرفية” Epistemic Honesty ، لا يصمد أمام الحضور “المسرحي” في صناديق الانتخابات.
ولهذه الظاهرة تفسير في “تأثير دانينغ–كروغر” Dunning–Kruger Effect المنسوب لعالمي النفس ‘جاستين كروغر’ Justin Kruger و ‘دافيد داننغ’ David Dunning، بعد نشر دراستهما عام 1999 بعنوان “غير مؤهل وغير واعً بأنه غير مؤهل” Unskilled and Unaware of It، التي أثبتت كيف يمكن أن يقود “نقص الكفاءة” إلى إفراط في تقدير القدرات الذاتية (الشعور بالحكمة والإلهام)، لأن الشخص الذي يفتقر إلى المعرفة غالبًا ما يفتقر أيضاً إلى الأدوات التي تمكنه من اكتشاف أخطائه.
الخطورة ليست في أن بعض القادة قد يبالغون في تقدير أنفسهم، وإنما في أن الجمهور نفسه يكافئ هذا السلوك المختل عندما يتوافق مع هويته وأهوائه.
وهذا ما تؤكده أبحاث أستاذ القانون الأمريكي ‘دان كاهان’ Dan Kahan حول ما يسمى “التفكير المدفوع بالهوية” Identity-Protective Cognition. إذ وجد أن البشر يعالجون المعلومات بما يتوافق مع انتماءاتهم الشخصية وهوياتهم الجماعية. كما اكتشف أنه حتى الأشخاص الأكثر قدرة على التفكير التحليلي ليسوا محصنين من هذه الآلية الدفاعية؛ لأنهم قد يستخدمون قدراتهم العقلية بمهارة أكبر للدفاع عن الموقف الذي يتسق مع قناعتهم.
وهنا تبرز نظرية الأدميرال الأمريكي ‘جيمس ستوكديل’ James Stockdale الذي أمضى سبع سنوات أسيراً خلال حرب فيتنام، ولم يكن صموده في الأسر وبقاؤه حيًا قائماً على تفاؤل ساذج أو إنكار للواقع. كان يؤمن بأنه سينتصر في النهاية، لكنه رفض أن يسمح لذلك الإيمان أن “يعميه” عن الظروف التي يعيشها.
ويُستخدم هذا المبدأ اليوم في القيادة وإدارة الأزمات تحت اسم “مفارقة ستوكديل”Stockdale Paradox، ومفادها أن” الإيمان بإمكانية الانتصار على التحديات يجب أن تصاحبه قدرة على مواجهة حقائق الواقع مهما كانت بشاعتها”.
وهنا تكمن الفجوة بين القيادة الرشيدة والقيادة الشعبوية.
فالقائد العاقل يقول: “الأمر صعب، هذه هي الخسائر، وهذه هي المخاطر، وهذه هي الخيارات المتاحة للنجاح”.
أما الزعيم الشعبوي فيقول: “لا توجد مشكلة أصلاً، وإن وُجدت فأنا كفيل بحلها (بقوة الإلهام أو ببراعة الصفقات)”. باختصار، يبيع لجمهوره “وهم الخلاص”، ويخفي الكلفة الحقيقية خلف بريق الشعارات.
الأول يحتاج إلى مواطنين “واعين” وقادرين على تحمل تكاليف الارتباك، والثاني يعتمد على جمهور يريد الخروج من الأزمة الوقتية بأي ثمن.
وقد صاغ عالم الاجتماع الألماني ‘ماكس فيبر’ Max Weber مفهوم “السلطة الكاريزمية” Charismatic Authority لوصف نمط من “الشرعية السياسية” يستمد قوته من الاعتقاد في “الصفات الاستثنائية” للقائد، في مقابل السلطة التقليدية أو العقلانية المستندة إلى الشرعية القانونية.
لكن الخطر يتفاقم عندما تتحول تلك “الكاريزما” من وسيلة للتواصل والخطابة إلى بديل عن عمل المؤسسات وعن القواعد العلمية والمهنية.
فحين ينجح القائد في تحويل شخصه إلى “رمز” للأمة أو الجماعة، يصبح نقده نقداً للجماعة نفسها. فتتحول المساءلة إلى خيانة، والاختلاف إلى ضعف، والشك إلى مؤامرة.
وهذا يفسر كيف يمكن لبعض المستبدين والطغاة أن يصعدوا من رحم حركات شعبية وثورات مخلصة. فهم لا يكشفون عن وجوههم الاستبدادية وأمراضهم النفسية في البداية؛ بل يتصدرون المشهد بوصفهم “منقذين” من الخطر.
محذرين من أن مؤسسات الدولة تتصدع، والنخب تخون، و اللحظة التاريخية تحتاج إلى قائد حاسم.
وسرعان ما تتحول الصفات التي صنعت شعبية الزعيم إلى أدوات للهيمنة والجبروت: الثقة تتحول إلى غرور، والولاء يتحول إلى طاعة، والاختلاف يتحول إلى خيانة. فيما تذوب السردية الشخصية للقائد في رواية الدولة نفسه، فيصبحان وجهين لعملة واحدة في ذهن الشعب المخدوع.
وفي هذا السياق، ثمة استعارة بليغة لفهم هذه الظاهرة: “القنفذ والثعلب” The Hedgehog and the Fox
المفكر البريطاني ‘ايزيه برلين’ Isaiah Berlin استعار عبارة قديمة منسوبة إلى الشاعر اليوناني ‘أرخيلوكوس’ Archilochus : “الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً عظيماً”، في مقاله الشهير عام 1953، مستخدمًا هذه الصورة الرمزية للتمييز بين نمطين من التفكير: القنفذ الذي يتعامل مع العالم من خلال رؤية مركزية واحدة، والثعلب الذي يتنقل بين أفكار وتجارب متعددة ولا يختزل محيطه في مبدأ جامع واحد.
وفي السياسة، غالباً ما يتصرف القائد الشعبوي كالقنفذ: لديه مظلمة واحدة، وعدو واحد، وتفسير واحد، ورسالة واحدة يكررها حتى تصبح مألوفة، ثم تتحول تدريجيا إلى حقيقة شعورية تسود أذهان الجمهور.
أما القائد الاستراتيجي فيبدو أقرب إلى الثعلب: يرى الصورة الكلية المتشابكة، ويغير موقفه إذا تغيرت الأمور، ويعترف بالتناقضات وبالأخطاء، لكنه عادةً لا يملك شعارًا بسيطًا موحدًا يلتف حوله الناس.
وبرغم أن هذا الأخير قد يكون أكثر عقلانية وأمانةً، لكن يتفوق عليه الشعبوي الذي يحذف من الصورة ما يفسد السردية، ويعيش الجميع في فقاعة الخدعة.
