من يمنح ؟ ومن يمنع ؟

بقلم: معتز منصور: كاتب وباحث سياسى
ليست القضية في شريف عامر وحده، ولا في تكريم صحفي أو الاعتراف به. القضية أعمق من ذلك بكثير: من يملك حق أن يقول لإنسان يمارس الصحافة منذ سنوات إنه صحفي، ومن يملك حق أن يقول له إنك لست كذلك؟
الصحافة في النهاية ليست بطاقة عضوية، ولا لافتة معلقة على باب جريدة، ولا اسما في كشف نقابي. الصحافة عمل يمارسه بشر، يأكلون ويعيشون ويخطئون ويتعبون، ويقضون أعواما في البحث عن معلومة، أو مطاردة مسؤول، أو الوقوف أمام كاميرا، أو الجلوس إلى شاشة حتى ساعات الفجر بحثا عن الحقيقة وسط ضجيج هائل من الأكاذيب.
العالم الذي نشأت فيه الصحافة النقابية القديمة تغير. لم تعد غرفة الأخبار بالضرورة في مبنى جريدة، ولم يعد الصحفي بالضرورة يكتب في صفحات ورقية. هناك صحفيون في التلفزيون، وفي المواقع الإلكترونية، وفي غرف الأخبار الرقمية، وفي التحقيقات الاستقصائية، وفي الصحافة المتخصصة، وفي أشكال جديدة من العمل الصحفي لم تكن موجودة حين وضعت كثير من التعريفات القديمة.
ليس معنى ذلك أن كل من يظهر على شاشة صحفيا، ولا أن كل من يكتب على الإنترنت صحفي. فالمهنة لها قواعدها ومسؤولياتها، وهناك فرق واضح بين الصحافة وصناعة المحتوى، وبين الخبر والرأي، وبين التحقيق والإشاعة. لكن الاعتراف بهذه الفروق شيء، وحصر الصحافة في قالب مؤسسي قديم شيء آخر تماما.
النقابة، في جوهر فكرتها، وجدت لحماية الصحفي وتنظيم المهنة والدفاع عن حقوق العاملين فيها. لم توجد لكي تمنح الإنسان حقه في أن يكون صحفيا، كما لو أن المهنة شهادة ميلاد لا تصبح موجودة إلا بعد ختمها.
قد يكون الصحفي عضوا في النقابة، وهذا يمنحه حقوقا وحماية ومسؤوليات قانونية ومهنية. لكن عضويته لا تصنع موهبته، ولا خبرته، ولا سنوات عمله، ولا ذاكرته المهنية. وبالمثل، غياب العضوية لا يمحو كل ذلك.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الاعتراف المؤسسي بديلا عن الاعتراف بالمهنة نفسها.
قد يكون صحفي ما عضوا في النقابة ولا يقرأه أحد، وقد يكون آخر خارجها ويصل عمله إلى ملايين الناس. وقد يكون أحدهما أفضل مهنيا من الآخر، وقد يحدث العكس. الجمهور وحده ليس معيارا، والعضوية وحدها ليست معيارا. المعيار الحقيقي هو ماذا يفعل الإنسان، وكيف يفعله، وما القواعد التي يلتزم بها، وما المسؤولية التي يتحملها تجاه ما ينشره.
لهذا فإن السؤال ليس: هل شريف عامر صحفي لأن أحدا كرمه؟
السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: لماذا نحتاج أصلا إلى تكريم شخص يمارس مهنة الصحافة منذ سنوات لكي نعلن أنه صحفي؟
ربما لأن مؤسساتنا أحيانا تتأخر عن المهن التي يفترض أن تمثلها. التكنولوجيا تغيرت، والجمهور تغير، وأدوات العمل تغيرت، وحتى معنى غرفة الأخبار تغير، بينما بقيت بعض الحدود القديمة واقفة في مكانها.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي نقابة مهنية ليس أن يختلف الناس معها، بل أن يتوقف العاملون في مهنتها عن الشعور بأنها تمثلهم.
أنا لا أحتاج إلى نقابة كي أصبح صحفيا، ولا الكاتب يصبح كاتبا لأن مؤسسة ما اعترفت بموهبته.
لكنني أحتاج النقابة كي تحمي حقي، وتدافع عن كرامتي، وتنظم المهنة، وتواجه من يعتدي عليها.
الفرق بين الأمرين ليس تفصيلا صغيرا. إنه الفرق بين مؤسسة تحرس المهنة، ومؤسسة تحرس حدودها القديمة.
