أحمد صبري أبو الفتوح.. ألجأ للمرويات الشفاهية الأسرية وألبستها ثوب الرواية

أحمد عبد الحافظ
يعيد الأديب المصري أحمد صبري أبو الفتوح إلى ساحة الإبداع فكرة كتابة سيرة العائلات في الأعمال الإبداعية، وذلك بعمله الروائي “ملحمة السراسوة” الذي تكون من خمسة أجزاء، وقد تتبع فيه قصة عائلته من أيام محمد علي حتى ولادته، وهو واحد من الكتاب الشغوفين برصد وقائع التاريخ ليضفر، في مجراها، قصصها، بشخصياتها المتخيلة والواقعية، وهو لا يفعل ذلك مع الأحداث البعيدة فقط، لكن أيضا مع ما وقع منها أمام عينيه وعاصره، من أيام قريبة في حياة المصريين، كما فعل وهو يكتب روايته” أجندة سيد الأهل” ونالت أعماله تقدير النقاد، وهو ما تجلى في حصوله على جائزة ساويرس في الرواية عام 2011، فرع كبار الكتاب عن عمله “الخروج”، وهو الجزء الأول من الخماسية، وحول مشروعه الروائي يدور هذا الحوار معه.

ألم تخش وأنت تتعرض لوقائع تاريخية في روايتك “ملحمة السراسوة” أن يؤثر ذلك على روح السرد؟
الحقيقة هي أنني وأنا أكتب روايات الملحمة لم أكن أتخيل أحداثها إلا وهى تجرى على خلفية هذا التاريخ، وفي حكايات هذه الأسرة أن الصراع فى بدايته نشب بينها وبين المملوك “قفل” واحد من أخلص أتباع محمد علي باشا، وكان له كما تقول الحكايات، بعض الفضل في تمكين محمد علي باشا من رقاب المماليك فى مذبحة القلعة الشهيرة، أنا إذن لم أستدع التاريخ، إنه مخلوق فى قلب الحكايات، وتجاهله كان سينتقص من قدر وقيمة وفنية وبناء الملحمة، ولما قتل السراسوة هذا المملوك الأثير لدى الوالى فروا من وجهه، ولم تكن لتكتمل الحكايات دون التطرق إلى تطورات الأحداث التاريخية لأنها جزء فى مسار الصراع، فحكايات السراسوة لا تستقيم إلا إذا ضُفِّرَت فى هذا التاريخ وضفر هذا التاريخ فيها.
شاعت روح السخرية من الواقع في رواية “برسكال” باعتبارها واحدة من آليات التعامل مع الأحداث وتحريكها لتشير إلى انتهاء زمن البرجوازيات الريفية، ثم اتجاه “برسكال” ابنة عبد العاطي لتحويل أبيها “عبد العاطى ملش” بعد وفاته لصاحب كرمات، ومقام يحج إليه أصحاب الحاجات؟
المصريون لا يقفون عاجزين أمام أية تحديات، بل يواجهونها بطريقتهم، فليس الغزاة وحدهم هم من يستخدمون الدين لطمس هوية الشعوب، بل إن الشعب نفسه يلجأ إلى هذا الحل فى مواجهة اليمينيين، وغلاة الدين الظلاميين، وبرسكال لم تفعل إلا ما يفعله الناس، إن لم يكن ممكنا التحقق عبر الواقع المعاش فيمكن تحقيقه عبر الأسطورة، وطالما بقى الظلم الاجتماعى ستنشأ الأساطير وتبقى.

ستفرض برسكال حيلتها على الطبقية والظلاميين وكل الفاشيين بوضع أبيها في مرتبة الأولياء، للسخرية من الطبقة الحاكمة والظلاميين، وهو نوع من المقاومة عرفته مصر عبر عصور الانحطاط، اعتبرها هكذا.
ما الذي يدفع الروائي إلى اللجوء للتاريخ سواء كان هذا خاصا أم عاما، وهو ينسج عمله.. هل فقر الواقع، أم أن هناك نوعًا من الرغبة في استثمار قصة وتاريخ جاهز بكامل تفاصيله؟
أنا لجأت إلى مرويات شفاهية أسرية ألبستها ثوبا روائيا، وهذه المرويات كما سبق وقلت تجرى على خلفية أحداث تاريخية حقيقية، لذا حدث التضافر بين المرويات الخاصة والتاريخ العام، ولا شأن لهذا بفقر الواقع، بل إن الروائى الذى يعتقد فى فقر الواقع لا يعرف الكثير عن الإنسان، ومن ثم لا يعرف بالبديهة منطق الرواية، أينما يوجد الإنسان توجد الحياة، وأينما توجد الحياة يوجد الصراع، حتى لو جرى بداخل الإنسان الفرد، إذن لا فقر فى أى واقع طالما يوجد الإنسان وتوجد الحياة.
رغم أنك اعتمدت في كتابة “ملحمة السراسوة” على آلية الراوي العليم الذي يحكي الأحداث، إلا أنك في بعض المواقف كنت تخرج “ككاتب” لتمارس نوعا من السيطرة على حدث ما؟
لا أحد يختار بالتفصيل كل أساليب السرد التى يلجأ إليها فى عمل ما، منطق الرواية كما تعلم باب كبير يدخل منه الكاتب ثم تتلبسه روح الرواية فتتنوع معها الأساليب، وأنا أكتب وجدتنى فى حاجة إلى التأكيد على أننى أنا الكاتب الذى يكتب مرويات أسرته، وقد أجريت نوعا من التقصى والبحث، ولهذا أكتب الحدث بالطريقة التى اختارها منطق الرواية، إنك ما أن تدخل من ذلك الباب، وتأخذ بمقود الرواية لا بد مدرك أنها هى الأخرى قد أخذت بمقودك، هات وخد مثل لعبة الكرة، فضلا عن أنني كنت شغوفا بألعاب كسر الإيهام عن طريق إعطاء هذا الرواى العليم صوتين، صوت من يروى وصوت من يكتب، وأعجبتنى اللعبة، إذ لما راجعت ما كتبت وجدت أننى لم أحدث فى الرواية انقطاعا فى التدفق ولم أضع عقبة فى طريق الاستغراق فى القراءة.
لجأت إلى حادث قدري وهو وفاة “أحمد” أحد شخصيات الملحمة من أجل أن تكشف صورة أخرى للمرأة وهي تسيطر على مسرح الأحداث، ألم يكن هناك حل فني آخر، يمكن أن يشكل مناطق متماسكة في سرد الأحداث؟
وأنا أكتب الرواية الأولى من الملحمة “الخروج” مات “أحمد الأول” شابا، لكن هذا لم يكن حلا قدريا كما تقول، فالمرويات الشفاهية لأسرتى تضمنت هذا، فضلا عن أن هذه الحادثة وهى وفاة أحمد انعكست على حياتى أنا شخصيا، أشرت إلى هذا فى حينه فى الرواية الأولى، ومن ثم أحيلك إلى الرواية الخامسة والأخيرة من الملحمة “حكايات أول الزمان”، فلقد أسمانى أبى أحمد، وتحايل على الاسم فجعله مركبا “أحمد صبرى”، إذ كانت قد نشأت عقدة فى تاريخ الأسرة متعلقة باسم أحمد، واقتران الاسم بالدراسة فى الأزهر، ولهذا قامت أمى البطلة بانتزاعى من هذا المصير فى واقعة مرصودة بالتفصيل فى الرواية الأخيرة، إن المرويات الشفاهية التى تسردها كتابة لها أيضا منطقها، وهذا يعد فى رأيى تجديدا، فهذا الحادث الذى تسميه أنت قدريا لا أعتبره أنا كذلك، بل إنه لفتة جميلة لما استقر فى وجدان السراسوة من معتقدات تعكس روح الإنسان عندما يتعامل مع المفاجآت، وكون أن “بطولة مريم” وريادتها الأسرية تلت هذا الرحيل المفاجئ لا يعنى أننى لجأت لحل مفبرك لأظهر بطولتها، ففى الرواية الثالثة “أيام أخرى” مات ابن سيد أحمد الوحيد شابا فنشأ ابنه سليمان، الذى لم يره، مدللا ومعقدا وكبيرا ورائدا، ثم تحول إلى صوفى جميل، هذا باليقين ليس حلا قدريا مفبركا، ويؤسفنى ألا أقرك على هذا.
في الأجزاء الثلاثة الأولى من “الملحمة” قدمت شخصيات ذات ملامح ملهمة، لكن في الجزء الرابع والخامس بدت الشخصيات طبيعية، لديها ما هو طيب وما هو ردئ .. ما الذي يقف وراء ذلك؟
في الروايتين الأولى والثانية كان “السراسوة” مطاردين من حاكم جبار بحجم محمد على باشا، فلم يكن ثمة مجال للخطأ، وإلا قُصفت الرؤوس وأُزيلت الأسرة برمتها من فوق الأرض، ثم بدأ الاستقرار وفيه قدر لا بأس به من الأمان حيث وقعت أول حرب بين السراسوة فى الرواية الثالثة، ولما حدث الصدام مع الحكومة وأحرقت العزبة، عادوا ليتحدوا فى مواجهة الأخطار من جديد، لكنهم فى الروايتين الرابعة والخامسة أصبحوا مجتمعا آمنا مستقرا يسمح بظهور التطلعات وخبايا النفوس، بل والطبقية، وبات كل سرساوى حاملا لوجهى الإنسان، الملاك والشيطان، وكل من الوجهين يوهن من حدة الآخر.
خصصت روايتك “أجندة سيد الأهل” لتناول الأحداث التي جرت في يناير 2011، مركزا على حادثة الهجوم على الميدان فيما اشتهر بـ”موقعة الجمل” هل في هذا إشارة رمزية ما وماذا كنت تقصد؟

انتهيت من كتابة هذه الرواية فى يونية 1911، كانت الثورة لا تزال متأججة، لكن بعض الوقت كان قد مر بما يسمح بظهور تباشير ما سيحدث مستقبلا، أقصد مستقبل الثورة، وكان لا بد أن أقف عند حدث فارق فى تاريخها السائل القصير، فوقفت عند لوحتين، الشهيد المبتسم رفاعة سيد الأهل والمعركة التى غدر فيها، موقعة الجمل، بكل ما يحمله الحدث من إشارات حزينة إلى نبل الثورة ومستقبلها الغامض.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي