الروائية “آسيا جبار” ورحلتها في كتابة تاريخ وثقافة الجزائر بلغة الاستعمار

كتبت: نجوى إبراهيم
آسيا جبار من أبرز الكتاب الذين انشغلوا انشغالا كبيرا بالمجتمع الجزائري، فهى أديبة متميزة، كتبت في جميع الأجناس الأدبية، أرادت أن تصور في أعمالها مشكلات المجتمع ومظاهره المأسوية وتأثير ذلك على نفسية الشعب الجزائري. ركزت على الآثار السلبية لهذه المشكلات كالفقر والجوع والحرمان والاضطهاد والتعذيب والحزن والبؤس، فهذه المظاهر شكلت المرجعية الأساسية لأعمال آسيا جبار وصاغتها في رواياتها، التي تمزج بين رصد الواقع المحلي للشعب الجزائري وبين النزوع نحو التخييل لتشكيل روايات محبوكة بشكل فني وجميل، استطاعت أن تشييد عالما روائيا متفردا ومتميزا عن بقية الروائيين الجزائريين الذين يقاسمونها اللغة الفرنسية كأداة في التعبير.
لغتها مصدر الإلهام
رغم قبول آسيا حبار الكتابة بلغة المستعمر اللغة الفرنسية إلا أنها كانت دائما تشيد في كتاباتها بلغتها الأم، لذلك نلمس حضورا فعليا متكررا لموضوع تلك اللغة، وأحيانا نشعر أن لغتها هي مصدر الإلهام لديها، فتقول معبرة عن حنينها إلى ما جعلته في منزلة حليب الأمر: “أبحث كما لو تعلق الأمر بحليب حرمت منه، عن فيض الحب للغة أمي”.

تقول في الحب والفانتازيا: “نتمتع بأربع لغات للتعبير عن رغبتنا قبل أن نصرخ :الفرنسية للكتابة السرية، العربية لتنهداتنا المكبوتة إلى الله، الليبية البربرية عندما نتخيل أننا وجدنا أقدم مقدساتنا الأم، أما اللغة الرابعة فتظل بالنسبة للجميع شابات كانت أم هرمات حبيسات المنازل أم أشباه متحررات ..لغة الجسد.
تمثل رواية الحب والفانتازيا أكثر اعمالها ارتباطا بالتاريخ، تنقلنا بجدية المؤرخ وبراعة المبدع إلى نقطة بداية الاحتلال الفرنسى كما تقول “عزيزة نعمان”إلى نقطة بداية الاحتلال الفرنسى للجزائر.
عمليات الإبادة الجماعية التي شهدتها أرياف الجزائر ومدنها استنادا إلى شهادات العساكر الفرنسيين ووثائق حية ..واستحضرتما علق في ذاكرة بلدها وذاكرتها هى وغيرها من النساء.
وصرحت “جبار” في خطابها بمدينة فرنكفورت الالمانية بمناسبة حصولها على جائزة السلام للناشريين والمكتبيين الألمان: “أيقظت مشاهد مواجهة جزائرية فرنسية اعتراها النسيان، وأنا أقدم شظايا من طفولتي ..هل قصدت استشعار حالة الضيق الراهنة للنساء التى تفوق فى مداها وضررها حالة الاختناق التى ارادها المحتل فيما مضى للقبائل المتمردة فى الجبال القريبة من مدينتى ؟..
وفي رأي الدكتورة كريمة ناوي أستاذ بجامعة الجلفة أن الكتابة باللغة الفرنسية لغة المستعمر لم تمنع الأدب الجزائري من أن يحمل روحا جزائرية وروحا وطنية عبرت عن وضع الجزائر إبان فترة الاحتلال الفرنسي.
حاول الاستعمار بكل الطرق محو اللغة العربية بالجزائر وصل إلى حد إصدار قانون يمنع استعمالها، إلا أن هذا لم يزد الجزائريون إلا إصرارًا على المقاومة والتشبث أكثر بلغتهم مع الأخذ بلغة المستعمر لايصال أفكارهم المنادية بحرية وطنهم.
المزج بين الخيال والواقع
تعبر آسيا جبار من خلال موضوعاتها عن الواقع الجزائري ولكننا نجدها تلونها بألوان الخيال الأدبي، الذي تزينه بأحداث متخيلة تمت بصلة وثيقة بالواقع المعاش، وتقول آسيا عن روايتها :”إن مادة قصصي ذات محتوى عربي وتأثري بالحضارة العربية والتربية الاسلامية لا يحد، فأنا إذن أقرب إلى التفكيير بالعربية الفصحى مني إلى التفكير بالفرنسية دون إنكار لفضل هذه اللغة.

يقول سنوسي شريف أستاذ اللغة والأدب العربي بجامعة مصطفى اسطممبولى معسكر: “أن هذا اعتراف واضح من الروائية آسيا جبار يبرز مدى تعلقها بهويتها”.
المرأة ودورها في الحرب
تطرقت آسيا جبار في روايتها “أطفال العالم الجديد” إلى موضوع المرأة ودورها في حرب التحرير، عالجت موضوع نضال المرأة وصراعها الدائم مع المستعمر الفرنسي الذى سلبها كل شيء، ولم تكتفِ الكاتبة بإبراز دور المرأة في الكفاح التحريري فحسب، لكنها تجاوزت ذلك إلى تصوير المعوقات الاجتماعية التي كانت تعترض طريق المرأة وأهمها الاحكام المسبقة عند الرجل عن المرأة واعتقاده عدم قدرتها على القيام بما يستطيع هو القيام به.

في الرواية ثمة طفولة امرأة تظهر من خلال حكاية الحرب الجزائرية الأولى (1830-1871) ثم نلتقي بذاكرة محفورة في الماضي الراهن، حيث نرى فلاحات وأرامل يروين لنا حرب التحرير بكل فخر وتواضع، لكن آسيا جبار تنبّهنا إلى أن هؤلاء النساء لا يكتبن أدباً حول حياتهنّ: “وكلما كانت معاناة الواحدة منهنّ خلال الحرب أكبر، كان كلامها أكثر رزانة. لقد استمعت إلى حكايتهنّ، وأردت أن أترجم لهنّ حكاية القرن التاسع عشر، أردت أن أخلط بين صوتي وأصواتهنّ”.
ويضيف بن جلون: “تكتشف آسيا جبار خلال بحثها في ذلك الماضي أن اللغة الفرنسية التي تكتبها، لغة مغمّسة بالدم، هي إذ تقرأ التقارير التي كتبها ضباط وارستقراطيون استولوا على الجزائر، تتحقق من أن شهود ذلك العنف إنما كتبوا عنه بلغتها، وتقول: “إنني وريثة أولئك الذين قُتلوا. ولقد تحقّقت عبر هذا الكتاب، أن هناك دماً في إرث اللغة”.

المرأة المسلمة
تطرقت آسيا جبار إلى المرأة المسلمة في بيئة حديثة العهد بالإسلام في رواية” بعيدا عن المدينة “إلى واقع المرأة المسلمة وهي تحاصرها أفكار الجاهلية، أرادت إعادة كتابة التاريخ الإسلامي بصورة أدبية، استعادت عصر الرسول عليه الصلاة والسلام وقامت بإسقاط أحداث هذا العصر على الواقع العربي المعاصر.
الجوائز والمكانة الأدبية
في عام 1999 حصلت آسيا جبار على شهادة دكتوراة في الأدب حول “الأدب المغاربي الفرانكوفوني”.
في عام 2001، بدأت تدرس في قسم الدراسات الفرنسية بجامعة نيويورك بالولايات المتحدة إلى غاية انتخابها عضوا كاملا في الأكاديمية الفرنسية في 2005.
في 2006، كرمت من طرف جامعات غربية عديدة أبرزها جامعة النمسا وكندا وألمانيا.
كانت آسيا جبار أول امرأة جزائرية تنتسب إلى دار المعلمين في باريس عام 1955، وأول أستاذة جامعية في الجزائر ما بعد الاستقلال في قسم التاريخ والآداب، وأول كاتبة عربية تفوز عام 2002 بجائزة السلام التي تمنحها جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات الألمانية، وقبلها الكثير من الجوائز الدولية في إيطاليا، الولايات المتحدة وبلجيكا.

وفي 16 يونيو 2005 انتخبت بين أعضاء الأكاديمية الفرنسية لتصبح أول عربية وخامس امرأة تدخل الأكاديمية.
جبار شغلت قبل رحيلها منصب بروفيسور الأدب الفرانكفوني فى جامعة نيويورك ،وتم ترشيح آسيا جبار لجائزة نوبل فى الأدب عام 2009، وقد استمرت مرشحة لنيل الجائزة، ومع مرور الوقت كانت احتمالية فوزها تزداد خاصة بعد حصولها على عدد من الجوائز العالمية فى هذه الفتره، إلا أنها توفت يوم 6 فبراير عام 2015، فى وقت توقع الكثيرين نيلها للجائزة.
وقامت بإخراج عدد من الأفلام التسجيلية في فترة السبعينيات منها (الزردة وأغاني النسيان) عام 1978، وفيلم روائي طويل للتلفزيون الجزائري بعنوان (نوبة نساء جبل شنوة) عام 1977.
قامت جبار بتدريس مادة التاريخ في جامعة الجزائر العاصمة والعمل في جريدة المجاهد مع اهتمامها السينمائي والمسرحي.
وفى عام 1958 تزوجت من الكاتب أحمد ولد رويس الذى ألف معها رواية أحمر لون الفجر,وانتقلت للعيس فى سويسرا ,ثم عملت مراسلة صحفية فى تونس ,وتبنت طفلا فى الخامسة من عمره , لانها لم تتمكن من الانجاب ..أخذته من دار أيتام فى الجزائر الذى أعترف به في عام 2001 «ضحية حرب» من قبل الحكومة الفرنسية. ولكن زواجها واجهته مصاعب عديدة فتخلت عن ابنها بالتبني وانتهى زواجها بالطلاق عام 1975
لم تزر الجزائر سوى مرة واحدة خلال النزاع الدامي الذي شهدته التسعينات بين قوات الأمن والجماعات الإسلامية المسلحة لتشييع جنازة والدها الذي كان مدرسا. وتزوجت آسيا جبار بعد أن طلقت في 1975، من جديد مع الشاعر والكاتب الجزائري عبد المالك علولة.
هاجرت إلى فرنسا عام 1980 حيث بدأت بكتابة رباعيتها الروائية المعروفة، التي تجلى فيها فنها الروائي وفرضها كصوت من أبرز الكتاب الفرنكوفونيين.
توفيت الكاتبة الجزائرية آسيا جبار فى 6 فبراير عام 2015 ، عن عمر يناهز 78 عاما في أحد مستشفيات باريس وفقا لما أعلنت الإذاعة الجزائرية الرسمية، وذكرت وكالة “فرانس برس”وقتها أن الروائية، التي كانت مخرجة سينمائية أيضا، ستوارى الثرى في مسقط رأسها شرشال غربي الجزائر الأسبوع المقبل تنفيذا لوصيتها.
وقالت ابنتها جليلة:” ستعود إلى ذويها في الجزائر لتعيش هناك إلى الأبد في بلدها الأصلي “
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي
