أخبارالعرب وافريقياعاجلمتنوعاتملفات

الجزائر تبدأ تطهيرًا جزئيًا لموقع تفجيرات نووية فرنسية في الصحراء

المحرر السياسى

أعلنت الحكومة الجزائرية شروعها في تنفيذ عملية تطهير جزئي لأحد مواقع التفجيرات النووية التي أجرتها فرنسا في الصحراء الجزائرية خلال الحقبة الاستعمارية، في خطوة وُصفت بأنها جزء من مسار طويل لمعالجة الإرث البيئي والإنساني لتلك التجارب التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي.

خلفية تاريخية

بين عامي 1960 و1966 أجرت فرنسا 17 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية، توزعت بين تجارب جوية في منطقة رقان، وأخرى تحت الأرض في منطقة عين إيكر. وكانت أول تجربة، المعروفة باسم “اليربوع الأزرق”، قد نُفذت في 13 فبراير 1960، مخلفة آثارًا إشعاعية امتدت إلى محيط واسع.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن تلك التفجيرات أثرت على السكان المحليين والبيئة الصحراوية، سواء من خلال التعرض المباشر للإشعاع أو عبر بقايا المعدات والمواد الملوثة التي دُفنت أو تُركت في مواقع مفتوحة.

بحسب ما أعلنته السلطات الجزائرية، فإن التطهير الجزئي يهدف إلى إزالة أو عزل بعض النفايات والمخلفات المشعة، وتأمين الموقع لمنع أي تعرض إضافي محتمل. ولم تُكشف بعد تفاصيل فنية كاملة بشأن نطاق العملية أو مدتها، غير أن مصادر رسمية أكدت أنها خطوة أولى ضمن برنامج أوسع لمعالجة التلوث المتبقي.

ويرى مختصون في الشأن البيئي أن أي عملية تطهير في مواقع التفجيرات النووية تتطلب خرائط دقيقة لمواضع النفايات المدفونة، إضافة إلى تعاون تقني عالي المستوى، نظرًا لتعقيد التعامل مع المواد المشعة بعد مرور عقود على دفنها.

 الذاكرة والمسؤولية

يمثل هذا الملف أحد أبرز القضايا العالقة بين الجزائر وفرنسا منذ الاستقلال عام 1962. فبينما تطالب الجزائر منذ سنوات بكشف كامل للأرشيف المتعلق بالتجارب النووية وتحديد مواقع دفن النفايات، تؤكد باريس أنها اتخذت خطوات للاعتراف بالآثار الإنسانية للتجارب.

وفي عام 2010 أقرّت فرنسا قانونًا لتعويض بعض ضحايا التجارب النووية، سواء في الجزائر أو في مناطق أخرى شهدت تجارب مماثلة. غير أن جمعيات جزائرية تعتبر أن التعويضات ظلت محدودة، وأن مسألة تنظيف المواقع وإعادة تأهيلها بيئيًا لا تزال غير مكتملة.

أبعاد بيئية وصحية

يؤكد خبراء أن التلوث الإشعاعي يمكن أن يستمر لعقود طويلة، خاصة إذا لم تُعالج النفايات وفق معايير صارمة. كما أن حركة الرمال والعواصف الصحراوية قد تسهم في إعادة توزيع بعض الملوثات على نطاق أوسع، ما يعزز أهمية المراقبة الدورية وقياس مستويات الإشعاع في المناطق المحيطة.

وتطالب منظمات محلية بإنشاء هيئة مستقلة لمتابعة الملف، وإشراك خبراء دوليين لضمان الشفافية، إضافة إلى توفير برامج رصد صحي للسكان الذين يقطنون بالقرب من المواقع المتضررة.

خطوة أولى في مسار طويل

يرى مراقبون أن إعلان التطهير الجزئي يحمل بعدًا سياسيًا ورمزيًا إلى جانب أهميته البيئية، إذ يعكس إصرار الجزائر على معالجة آثار الحقبة الاستعمارية بوسائل عملية. غير أن نجاح هذه الخطوة سيظل مرتبطًا بمدى اتساع نطاقها، وتوافر الدعم التقني، وإمكانية الوصول إلى معلومات دقيقة حول طبيعة وكمية المواد المدفونة.

ويبقى ملف التفجيرات النووية في الصحراء أحد أكثر ملفات الذاكرة حساسية بين البلدين، في انتظار تسوية شاملة تجمع بين الاعتراف التاريخي والمعالجة البيئية والإنصاف الإنساني.

زر الذهاب إلى الأعلى