في الحرب القادمة… من يخسر أولاً؟

بقلم: سامح عسكر
حين نقترب من حافة حرب إقليمية واسعة، يصبح السؤال الأهم ليس من يبدأ، بل من يتحمل الكلفة الأكبر. وفي تقديري، إذا انفجرت مواجهة مباشرة بين إسرائيل وإيران بمشاركة أمريكية، فإن إسرائيل قد تجد نفسها في موقع الخاسر الأكبر، ليس بسبب ضعف مطلق في القوة، ولكن بسبب طبيعة المعادلة ذاتها.
أول ما يلفت النظر هو العامل الجغرافي. إسرائيل دولة صغيرة المساحة، كثيفة السكان، شديدة التركّز في بنيتها التحتية. الموانئ والمطارات ومحطات الكهرباء والمراكز الصناعية والعسكرية كلها تقع في نطاق جغرافي ضيق، ما يجعل أي اختراق دفاعي—even لو كان محدودًا—ذو أثر مضاعف. في الحروب الحديثة، لا تحتاج إلى تدمير شامل كي تُحدث شللًا؛ يكفي تعطيل نقاط حساسة لبثّ الذعر وإرباك الاقتصاد.
في المقابل، تمتلك إيران عمقًا جغرافيًا واسعًا يسمح لها بامتصاص الضربات، حتى وإن كانت مؤلمة. صحيح أن منشآتها الحيوية قد تتعرض لاستهداف مكثف، لكن توزيعها الجغرافي يمنحها قدرة أعلى على الصمود النسبي مقارنة بدولة صغيرة المساحة.
العامل الثاني هو الاستنزاف. إسرائيل تعتمد بصورة أساسية على منظومات دفاع جوي متقدمة، لكنها باهظة الكلفة ومحدودة المخزون الذخائري. أي حرب طويلة تعني استنزافًا متسارعًا لتلك المنظومات. في المقابل، تعتمد إيران على تكتيك الإغراق الصاروخي، أي إطلاق أعداد كبيرة لتجاوز الدفاعات. هنا يتحول التفوق التكنولوجي إلى معادلة حسابية: كم صاروخًا يمكن اعتراضه قبل أن تتراجع الكفاءة أو تنفد الذخيرة؟
أما العامل الأمريكي، فهو أكثر تعقيدًا. العلاقة بين واشنطن وتل أبيب راسخة، لكن المزاج الأمريكي الداخلي لم يعد كما كان. الحروب الطويلة والمكلفة في الشرق الأوسط تركت أثرًا عميقًا على الرأي العام. وإذا تحولت المواجهة إلى استنزاف مفتوح، فإن الدعم قد يستمر عسكريًا، لكنه سيتراجع سياسيًا وأخلاقيًا، خاصة إذا تصاعدت الخسائر المدنية في المنطقة.
ثمة نقطة أخرى تتعلق بعنصر المفاجأة والعمل الاستخباراتي. في جولات سابقة، لعبت العمليات السرية دورًا مهمًا في تقويض قدرات الخصم. لكن في حرب شاملة، تتراجع قيمة الضربات الخاطفة أمام منطق المواجهة المباشرة. الحرب الواسعة لا تُدار بالظل، بل بالنار المكشوفة.
الأخطر هو سيناريو التصعيد غير التقليدي. مجرد الحديث عن استخدام أسلحة غير تقليدية يعكس حجم القلق. لكن هذا الخيار، إن حدث، لن يكون ضربة قاضية لطرف واحد، بل مقامرة وجودية تهدد الجميع. الردع المتبادل، حتى لو كان غير معلن، يظل عاملًا كابحًا أمام الانزلاق إلى تلك الهاوية.
ولا يمكن تجاهل احتمال اتساع الجبهات. دخول أطراف أخرى في لبنان أو اليمن سيحوّل الصراع إلى حرب متعددة المسارات، ما يضاعف الضغط على إسرائيل تحديدًا، لأنها ستكون في موقع الدفاع المتزامن على أكثر من محور.
الخلاصة أن أي حرب كبرى لن تكون نزهة لأحد. لكن إسرائيل، بحكم طبيعتها الجغرافية وتركيبتها الاقتصادية واعتمادها على تفوق دفاعي مكلف، قد تكون الأكثر تأثرًا سريعًا ومباشرًا. أما إيران، فستخسر بلا شك، لكنها قد تراهن على طول النفس وتعدد الجبهات لتقليل الفارق في ميزان الخسائر.
في النهاية، الحروب الحديثة لا تُحسم فقط بعدد الطائرات أو الصواريخ، بل بقدرة المجتمعات على الاحتمال. ومن يتحمل الضغط أطول، هو من يكتب الفصل الأخير.
