العرب وافريقياعاجلملفات

من هو الكمبرادور؟ ولماذا نقف ضده؟

كتب محمد اسماعيل:

 من المهم التوقف عند مفهوم كثيراً ما يُستخدم في نقد هذه السياسات في دول الجنوب : مصطلح “الكمبرادور” كثيرون يرددون المصطلح، لكن معناه يظل غامضاً لدى قطاع واسع من الناس. هذه محاولة لتوضيح من هو الكمبرادور، ولماذا يشكل خطراً بنيوياً على أي مشروع وطني؟، ولماذا لا يمكن فهم النيوليبرالية في دول الجنوب؟ ومنها السودان دون فهم الدور الذي تلعبه هذه الفئة. 

الكمبرادور ليس مجرد “تاجر” أو “رجل أعمال”، ولا يقتصر على من يستورد السلع ويبيعها في السوق المحلي. تاريخياً، المصطلح يشير إلى فئة أو شريحة اجتماعية محلية نشأت بوظيفتها كوسيط بين المصالح الخارجية رأسمالية كانت أو سياسية وبين المجتمع المحلي. هذه الفئة قد تضم تجاراً ومستوردين مثل صلاح مناع وحجار، لكنها قد تضم أيضاً سياسيين، وتكنوقراط ، وخبراء من امثال حمدوك والبدوى، ومسؤولين كباراً في الدولة مثل عدد من كبار الضباط فى الجيش وفى الدعم السريع، حين تكون وظيفتهم الفعلية هي تمرير أجندات الخارج، لا تمثيل مصالح الداخل.

في هذه الحالة، لا يكون الكمبرادور شخصاً بالضرورة، بل دوراً. الدور الكمبرادوري هو أن تكون عينك على الخارج أكثر من الداخل، وأن ترى بلدك كسوق أو “حالة” يجب تكييفها مع متطلبات المستثمرين والمؤسسات الدولية، لا كمجتمع له أولويات تاريخية وحاجات مادية وحقوق اجتماعية. ثروته أو مكانته أو نفوذه لا تأتي من الإنتاج أو البناء، بل من الوساطة، والسمسرة، وتسهيل السياسات، وتجميلها لغوياً باسم “الإصلاح” و”الخبرة” و”العلم”.

خطورة الكمبرادور ليست فقط اقتصادية، بل سياسية وأخلاقية. فهو لا يرى الدولة كأداة لحماية المجتمع، بل كعائق يجب تحجيمه. لا يؤمن بالسيادة الاقتصادية، ولا بالعدالة الاجتماعية، لأن كلتيهما تعنيان تنظيماً، ومساءلة، وتحديداً للمصالح. لذلك يكون حليفاً طبيعياً للنيوليبرالية، التي توفر له الإطار الفكري والاخلاقى والعملي لتفكيك الدولة، وفتح السوق، وإضعاف المجتمع باسم “الاندماج في الاقتصاد العالمي”.

نقاوم الكمبرادور لأنه يقف موضوعياً ضد أي مشروع تحرر وطني حقيقي. هو يعادي بناء اقتصاد منتج لأنه يهدد أرباحه السهلة (مثل الارباح التى تاتى من تهريب الذهب للامارات). يعادي التصنيع لأنه يخلق قوى اجتماعية مستقلة. يعادي العدالة الاجتماعية لأنها تتطلب ضرائب على الاغنياء وسياسات إعادة توزيع. وهو مستعد دائماً لتبرير أي سياسة ترفع الأسعار، وتخفض الأجور، وتفقر الناس، طالما أنها تُقدَّم في قالب تقني أنيق، وبمصطلحات مطمئنة للنخب.

وعند إسقاط هذا المفهوم على السودان، تتضح الصورة بجلاء، خصوصاً خلال الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر. في تلك المرحلة، لم يكن الكمبرادور مقتصراً على فئة رجال الأعمال أو كبار المستوردين فقط، بل شمل أيضاً بعض السياسيين، وبعض التكنوقراط الذين تولوا مواقع مفصلية في قيادة الدولة والاقتصاد. هؤلاء لم يكونوا كلهم بالضرورة فاسدين بالمعنى المباشر، لكنهم أدوا وظيفة كمبرادورية واضحة: نقل أولويات الخارج إلى الداخل، وتقديمها كقدر لا مفر منه.

خلال الفترة الانتقالية، قُدِّمت سياسات رفع الدعم وتعويم الجنيه بوصفها “خيارات علمية” لا بدائل لها، لا كاختيارات سياسية لها رابحون وخاسرون. تم التعامل مع المجتمع وكأنه رقم في جداول الاقتصاد الكلي، لا كتجمع بشري يعاني من فقر متراكم، وبنية إنتاجية مدمرة، وغياب شبه كامل للحماية الاجتماعية. هنا لعب الكمبرادور السياسي والتكنوقراطي دور المترجم والضامن لهذه الوصفات، أكثر من كونه ممثلاً لمصالح الناس.

في المقابل، لم نرَ إرادة مماثلة لإصلاح بنيوي حقيقي: لا في تفكيك اقتصاد الذهب، ولا في استعادة السيطرة على الموارد، ولا في كسر هيمنة الشركات المرتبطة بالعسكر، ولا في بناء مشروع زراعي أو صناعي وطني. هذا الصمت كان دالاً. فالكمبرادور، حتى حين يرفع شعارات الدولة المدنية، بوعيه او بدون وعيه فهو لا يريد دولة قوية فعلياً، بل دولة منزوعة الدسم الاقتصادي، تُدار بالأدوات التقنية لا بالإرادة الشعبية.

الأخطر أن هذا الدور الكمبرادوري ساهم في تجفيف القاعدة الاجتماعية للانتقال. حين ارتفعت الأسعار وانخفضت القدرة الشرائية بالرغم من زيادة الرواتب، لم يجد الناس تفسيراً سوى أن الثورة لم تغيّر حياتهم. هكذا فُصل المسار السياسي عن المسار الاجتماعي، وفُقد السند الشعبي الذي كان يمكن أن يحمي الانتقال من الانقلاب، ثم من الانزلاق اللاحق نحو الحرب.

الكمبرادور لم يشعل حرب السودان، ولم يحمل السلاح، لكنه ساهم في إضعاف الدولة إلى الدرجة التي جعلت الحرب ممكنة. أضعف الاقتصاد، وعمّق الفقر، وكسر الثقة بين المجتمع والدولة، وترك الساحة فارغة أمام من يملك القوة الخشنة. وعندما اندلع الصراع، انكشفت حقيقة هذه الفئة: لا مشروع وطنياً لها، ولا التزاماً تجاه المجتمع، بل بحث دائم عن موقع آمن لمصالحها، أياً كان الطرف المسيطر.

مقاومة الكمبرادور ليست شتيمة، ولا تصفية حسابات شخصية، بل ضرورة فكرية وسياسية. هي جزء لا يتجزأ من مقاومة النيوليبرالية نفسها. لا يمكن الحديث عن تنمية، أو سلام، أو دولة مدنية، دون مواجهة هذه البنية الطفيلية، وبناء تحالف اجتماعي بديل قاعدته المنتجون الحقيقيون: المزارعون، العمال، المهنيون، وصغار المنتجين، لا وسطاء السوق ووكلاء الخارج.

بهذا المعنى، يصبح نقد النيوليبرالية ونقد الكمبرادور مسارين متكاملين يتطلب تفكيك هذه المنظومة، وعلاقتها بالتنمية والحرب والدولة في دول الجنوب، وعلى رأسها السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى