ما بعد الليطاني.. معركة فرض الواقع وحدود القوة
معتز منصور – كاتب وباحث سياسي
هناك لحظات في الحروب يصبح فيها الحدث الظاهر أقل أهمية من البنية التي ينتجها. وعند هذه النقطة تحديداً يبدو الجدل الدائر حول تجميد قصف الضاحية أو إمكان التوصل إلى تهدئة مؤقتة نقاشاً يدور على هامش المسألة الأساسية لا في قلبها. فالمواجهة الجارية في لبنان لم تعد تدور حول حجم الغارات أو عدد الأيام الفاصلة بين جولة تفاوض وأخرى، بل حول شكل الواقع الأمني والسياسي الذي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرضه بعد الحرب، وحول قدرة الطرف المقابل على منع ولادة هذا الواقع.
من هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم الحراك الأمريكي الأخير. فواشنطن لا تبدو وكأنها تقترب من صيغة تسوية مستقرة بقدر ما تحاول إدارة التناقض المتزايد بين الأهداف التي رُفعت في بداية الحرب والوقائع التي أفرزها الميدان لاحقاً. لذلك فإن الحديث عن تهدئة جزئية أو ترتيبات مرحلية لا يعكس بالضرورة اقتراب نهاية المعركة، بل قد يكون مؤشراً على صعوبة الوصول إلى الأهداف الأصلية دفعة واحدة، والانتقال إلى محاولة تحقيقها بالتدرج أو عبر أدوات سياسية بعدما تعثر تحقيقها بالقوة العسكرية المباشرة.
جوهر الصراع لا يكمن في الضاحية ولا في عدد ساعات الهدنة المحتملة، بل في جنوب الليطاني نفسه. فهذه المنطقة كانت دائماً محور الصراع الحقيقي بين مشروعين متناقضين: مشروع يسعى إلى إنتاج بيئة أمنية خاضعة للرقابة الإسرائيلية المباشرة أو غير المباشرة، ومشروع آخر يرى أن أي ترتيبات من هذا النوع ليست سوى إعادة إنتاج لصيغ أثبتت التجارب السابقة عجزها عن الاستمرار. لهذا السبب لا تبدو الخلافات القائمة حول تفاصيل وقف النار خلافات تقنية أو إجرائية، بل تعكس صراعاً أعمق حول هوية المرحلة التي ستلي الحرب وشكل التوازن الذي سيحكم الحدود الجنوبية لسنوات مقبلة.
في الوقت نفسه، تكشف التطورات الميدانية عن معطى لا يقل أهمية. فالحروب الطويلة لا تُقاس فقط بحجم الخسائر، بل بقدرة كل طرف على الحفاظ على النموذج القتالي الذي دخل الحرب على أساسه. وما يثير القلق داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ليس خسارة آلية هنا أو دبابة هناك بقدر ما هو ظهور مؤشرات متراكمة على تقلص الفجوة التكنولوجية التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر التفوق الإسرائيلي. فعندما يضطر جيش يمتلك واحدة من أكثر المنظومات العسكرية تطوراً في المنطقة إلى إعادة دراسة وسائل مواجهة المسيّرات أو تعديل أنماط حركته وانتشاره نتيجة تهديدات مستجدة، فإن المسألة تتجاوز حدود الخسائر التكتيكية لتلامس مستوى أعمق يتعلق بفعالية العقيدة العسكرية نفسها.
ومن هنا تكتسب معارك الجنوب معناها الحقيقي. فالقضية ليست عدد المدرعات التي أصيبت أو المواقع التي تعرضت للاستهداف، بل قدرة الميدان على فرض قيود متزايدة على حرية الحركة الإسرائيلية. وفي الحروب غير المتماثلة غالباً ما يتحول فرض القيود إلى إنجاز استراتيجي بحد ذاته، لأن الطرف الأقوى لا يحتاج فقط إلى تجنب الخسارة، بل يحتاج إلى الحفاظ على حرية المبادرة التي تمنحه أفضلية القوة منذ البداية.
أما التحشيد العسكري الأمريكي المتواصل في الخليج وبحر العرب، فهو بدوره لا يمكن قراءته فقط باعتباره استعداداً لمواجهة محتملة مع إيران. ففي كثير من الأحيان تعكس الحشود العسكرية القلق من الحرب بقدر ما تعكس الاستعداد لها. وكلما توسعت شبكة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة، ازداد وضوح حجم المخاوف المرتبطة بإمكان اتساع دائرة الاشتباك أو انتقاله إلى ساحات جديدة تمس خطوط الطاقة والممرات البحرية والتوازنات الإقليمية الأوسع. ولهذا تبدو واشنطن اليوم معنية بإدارة مخاطر الحرب بقدر اهتمامها بإدارة الحرب نفسها.
في المقابل، تكشف المفاوضات الجارية حقيقة ثابتة في تاريخ الصراعات الكبرى: الميدان لا يتبع السياسة دائماً، بل كثيراً ما تلاحق السياسة ما ينتجه الميدان. فعندما تتبدل السقوف التفاوضية أو تُعاد صياغة المقترحات المطروحة، فإن السبب لا يكون براعة الوسطاء وحدها، بل التغيرات التي تفرضها الوقائع العسكرية على الأرض. ولذلك فإن أي انتقال من شروط قصوى إلى صيغ أكثر مرونة لا يمكن فصله عن مسار الاستنزاف المتبادل وحدود القوة المتاحة لتحقيق الأهداف المعلنة للحرب.
وفي الجانب الإسرائيلي تتراكم مؤشرات أزمة تتجاوز الخلافات الحكومية المعتادة. فكل حرب طويلة تفرض على المجتمع الذي يخوضها سؤالاً مركزياً: هل ما زالت الكلفة التي تُدفع تتناسب مع النتائج المتحققة؟ وعندما تبدأ الانقسامات السياسية والعسكرية بالتمدد، لا يعود النقاش محصوراً في الأداء أو التكتيك، بل ينتقل تدريجياً إلى مساءلة الاستراتيجية نفسها. وهنا تحديداً تكمن خطورة الحروب الممتدة، إذ إنها لا تستنزف الجيوش فقط، بل تستنزف أيضاً قدرة الأنظمة السياسية على الحفاظ على الإجماع الداخلي حول أهدافها.
لهذا كله، تبدو الحرب الحالية أبعد بكثير من كونها مجرد مواجهة حدودية أو جولة تفاوضية متعثرة. إنها معركة على شكل الترتيب الذي سيخرج من تحت أنقاضها. الولايات المتحدة وإسرائيل تحاولان تحويل الإنجاز العسكري إلى واقع سياسي دائم، فيما يسعى الطرف المقابل إلى منع تثبيت أي معادلة جديدة تُنتج ما عجزت عنه الحروب السابقة. وبين المشروعين يبقى الميدان هو الحكم النهائي. ففي النهاية لا تُحسم خرائط ما بعد الحرب في البيانات الدبلوماسية، بل عند النقطة التي يكتشف فيها أحد الأطراف أن كلفة فرض إرادته أصبحت أعلى من قدرته على تحمله.
