من انتصر في الاتفاق الأمريكي – الإيراني؟

بقلم: أحمد سيد النجار
بعد أسابيع من التصعيد العسكري والتوتر الإقليمي، انتهى الصدام الأمريكي – الإيراني إلى اتفاق يوقف الحرب ويفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التفاوض. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: من خرج منتصرًا من هذه المواجهة؟
من وجهة نظري، فإن الإجابة لا تتعلق بحجم القوة العسكرية التي استُخدمت، بل بمدى تحقق الأهداف التي دخل كل طرف الحرب من أجلها. وعند النظر إلى هذه المسألة، تبدو الصورة أكثر وضوحًا مما يحاول البعض إظهاره.
إيران خرجت من الحرب دون أن تتخلى عن برنامجها الصاروخي، الذي كان أحد الأهداف الرئيسية للضغوط الأمريكية والإسرائيلية. كما أن الاتفاق لم يتضمن أي التزامات جديدة في هذا الملف، الأمر الذي يعني أن أهم أدوات الردع الإيرانية بقيت خارج نطاق التنازلات.
أما الملف النووي، فقد تُرك لمفاوضات لاحقة تمتد لستين يومًا. وهذا يعني أن الولايات المتحدة لم تحصل على التنازلات التي سعت إليها خلال الحرب. بل إن إيران ما زالت تدخل المفاوضات من موقع يمتلك أوراق قوة مهمة، سواء على مستوى المعرفة النووية أو على مستوى المخزون الذي راكمته خلال السنوات الماضية بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي السابق.
اقتصاديًا، يشكل الإفراج الفوري عن 12 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة مكسبًا مهمًا لطهران، ليس فقط من حيث القيمة المالية المباشرة، وإنما أيضًا من حيث تأثيره على استقرار العملة وتمويل الواردات والتخفيف من آثار الحصار الاقتصادي. كما أن الاتفاق يفتح الباب أمام الإفراج عن دفعات أخرى مرتبطة بمسار المفاوضات المقبلة.
وفي الجانب الإقليمي، امتدت آثار الاتفاق إلى الساحة اللبنانية، بما يؤكد مرة أخرى الترابط بين ملفات المنطقة. كما كشف مسار الأزمة حدود القدرة الإسرائيلية على فرض أجندتها الخاصة على الإدارة الأمريكية، وأظهر وجود تباينات متزايدة بين واشنطن وتل أبيب حول إدارة الصراع ونتائجه.
كذلك أظهرت الأزمة أن القواعد الأمريكية المنتشرة في الخليج لم تعد توفر المزايا الاستراتيجية التي كانت توفرها في السابق، بل تحولت في بعض الأحيان إلى أهداف محتملة في أي مواجهة واسعة. وأدركت دول المنطقة أن وجود هذه القواعد لا يضمن بالضرورة الحماية التي طالما رُوّج لها.
أما على المستوى الدولي، فقد كشفت الأزمة عن تباينات داخل المعسكر الغربي نفسه، حيث لم يندفع الحلفاء الأوروبيون إلى المشاركة في الحرب بالشكل الذي كانت تتوقعه واشنطن، وهو ما يعكس اختلافًا متزايدًا في تقدير المصالح والمخاطر.
في المقابل، لم يتحقق أي من الأهداف الكبرى التي رُفعت في بداية المواجهة؛ فلا النظام الإيراني سقط، ولا البرنامج الصاروخي انتهى، ولا الملف النووي أُغلق بصورة نهائية. ولهذا تبدو محاولات تقديم ما حدث باعتباره انتصارًا أمريكيًا كاملًا بعيدة عن الواقع.
قد تستطيع واشنطن إعلان النجاح وادعاء تحقيق أهدافها، لكن الوقائع على الأرض تشير إلى أن إيران تمكنت من الصمود، وحافظت على ركائز قوتها الأساسية، وخرجت من المواجهة وهي تمتلك أوراقًا تفاوضية لا يستهان بها.
لهذا يمكن القول إن النتيجة الأبرز للحرب لم تكن انتصار طرف على آخر بالمعنى التقليدي، وإنما فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في فرض الشروط التي دخلتا المواجهة من أجلها. أما إيران، فرغم الخسائر البشرية والمادية الكبيرة التي تكبدتها، فقد نجحت في منع خصومها من تحقيق أهدافهم الرئيسية، وهو ما يجعلها الطرف الأقرب إلى ادعاء الانتصار في هذه الجولة.
