اليسار الاحتجاجي في روسيا… من الشارع إلى الهامش السياسي ـــ الجزء٢

بقلم: سمير سليم
إذا كان الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي يمثل “اليسار التقليدي”، فإن اليسار الاحتجاجي في روسيا يمثل الوجه الأكثر حركية وتوترًا في المشهد اليساري، لكنه أيضًا الأكثر تعرضًا للانكماش والضغط السياسي.
هذا التيار لا يقوم على حزب واحد كبير، بل على شبكات وحركات ومبادرات تتقاطع أحيانًا وتختلف كثيرًا في الوقت نفسه.
أولاً: ما هو اليسار الاحتجاجي؟
اليسار الاحتجاجي في روسيا هو تيار سياسي-اجتماعي يركز على:
• الاحتجاج ضد السياسات الاقتصادية والاجتماعية
• نقد الفساد وتفاوت الدخل
• الدفاع عن حقوق العمال
• رفض تهميش المعارضة السياسية
لكنه يختلف عن اليسار البرلماني في أنه لا يعتمد على الانتخابات كأداة رئيسية، بل على الشارع، والنقابات، والعمل المباشر.
ثانيًا: أبرز التنظيمات
1. الجبهة اليسارية (Left Front)
تُعد من أبرز الحركات اليسارية الاحتجاجية في روسيا، وبرزت خصوصًا خلال موجة التظاهرات بين 2011 و2012.
• تجمع بين ماركسيين وشيوعيين راديكاليين
• تشارك في الاحتجاجات المناهضة للفساد
• تنتقد النظام السياسي والاقتصادي معًا
• تعتمد على العمل الميداني والشعارات المباشرة
لكن مع مرور الوقت، تراجع حضورها بسبب الضغوط الأمنية وتشتت الحركة الاحتجاجية عمومًا.
2. الحركة الاشتراكية الروسية
Russian Socialist Movement
تمثل هذا الحركة نموذجًا مختلفًا داخل اليسار الاحتجاجي، فهي أقرب إلى “الاشتراكية الديمقراطية الحديثة”.
تركّز على:
• حقوق العمال والنقابات
• العدالة الاجتماعية
• الديمقراطية الداخلية
• قضايا الجندر والبيئة (وهو تطور مهم مقارنة باليسار التقليدي)
هذه الحركة تحاول بناء يسار حديث أقل ارتباطًا بالإرث السوفيتي وأكثر انفتاحًا على النماذج الأوروبية اليسارية.
3. التيارات الأناركية والمستقلة
إلى جانب التنظيمات السابقة، يوجد تيار أناركي نشط نسبيًا، مثل مجموعات:
• “Autonomous Action” (العمل الذاتي)
• شبكات طلابية مستقلة
• مجموعات نقابية صغيرة
هذه التيارات ترفض المركزية الحزبية بالكامل، وتركز على:
• التنظيم الأفقي
• العمل المباشر
• الاستقلال عن الدولة والأحزاب
لكن تأثيرها السياسي يبقى محدودًا بسبب ضعف البنية التنظيمية.
ثالثًا: لماذا يظل هذا اليسار ضعيف التأثير؟
هناك عدة عوامل تفسر ذلك:
1. الضغط السياسي والقانوني
العمل الاحتجاجي في روسيا يواجه قيودًا تنظيمية وأمنية واضحة.
2. الانقسام الداخلي
بين ماركسيين تقليديين، واشتراكيين ديمقراطيين، وأناركيين.
3. ضعف القاعدة الاجتماعية المنظمة
غياب نقابات قوية مستقلة يقلل من تأثيرهم.
4. هيمنة الدولة على المجال السياسي
ما يجعل الشارع أقل قدرة على التحول إلى قوة سياسية مستمرة.
رابعًا: بين الاحتجاج والسياسة
اليسار الاحتجاجي في روسيا يعيش مفارقة واضحة:
• قوي في الخطاب والاحتجاج
• ضعيف في التحول إلى قوة سياسية مستقرة
ومع ذلك، يظل هذا التيار مهمًا لأنه:
• يعكس المزاج الاجتماعي الغاضب
• يطرح أسئلة حول العدالة والديمقراطية
• يحافظ على فكرة المعارضة اليسارية خارج البرلمان
اليسار الاحتجاجي في روسيا ليس تيارًا موحدًا، بل مساحة واسعة من التجارب التي تحاول مقاومة التهميش السياسي والاجتماعي. وبين “الجبهة اليسارية” و”الحركة الاشتراكية الروسية” والمجموعات الأناركية، يبقى هذا اليسار تعبيرًا عن احتجاج مستمر أكثر من كونه مشروعًا سياسيًا مكتملًا.
الواقع المادي والاجتماعي لليسار الاحتجاجي الروسي
بعيدًا عن الشعارات والأدبيات السياسية، فإن فهم اليسار الاحتجاجي الروسي يتطلب النظر إلى قاعدته الاجتماعية الفعلية، ومدى تجذره داخل الطبقات الشعبية، وحضوره الجغرافي في المدن الروسية الكبرى.
ورغم أن معظم هذه التنظيمات تتحدث باسم الطبقة العاملة والعدالة الاجتماعية، فإن قاعدتها البشرية تختلف بصورة واضحة من تنظيم إلى آخر أولاً: الجبهة اليسارية (Left Front)
القاعدة الطبقية والاجتماعية
تستند الجبهة اليسارية أساسًا إلى:
• عمال الصناعة السابقين والحاليين
• بعض موظفي القطاع العام
• متقاعدون ذوو ميول سوفيتية
• طلاب وشباب ماركسيون
• ناشطون خرجوا من الحزب الشيوعي أو منظمات شيوعية أصغر
وعلى عكس الصورة الشائعة، فإن الجبهة اليسارية ليست تنظيمًا عماليًا خالصًا، بل تجمع بين عناصر من الطبقة العاملة التقليدية ومثقفين وناشطين سياسيين.
المدن الرئيسية
أقوى حضور تاريخيًا في:
• موسكو
• سانت بطرسبورغ
• نيجني نوفغورود
• ساراتوف
• سامارا
• بعض مدن الأورال
وتبقى موسكو مركزها السياسي والتنظيمي الأهم.
قوة التنظيم
• تنظيم متوسط الحجم
• يمتلك خبرة طويلة في الحشد السياسي
• قدرته على التعبئة أكبر من حجمه العددي
لكن عدد أعضائه الفعليين محدود مقارنة بالحزب الشيوعي.
درجة الحذر التنظيمي
مرتفعة.
فمنذ أحداث 2011-2012 أصبحت الحركة أكثر حذرًا في:
• الإعلان عن النشاط
• بناء الهياكل التنظيمية
• استخدام وسائل الاتصال
ثانيًا: الحركة الاشتراكية الروسية (RSM)
القاعدة الطبقية والاجتماعية
تختلف كثيرًا عن الجبهة اليسارية.
فأغلب أعضائها:
• طلاب جامعات
• أكاديميون
• معلمون
• موظفو قطاع الخدمات
• صحفيون
• ناشطون نقابيون
وتمثيلها بين عمال المصانع أقل نسبيًا.
المدن الرئيسية
تتركز أساسًا في:
• موسكو
• سانت بطرسبورغ
• يكاترينبورغ
• قازان
• نوفوسيبيرسك
أي داخل المدن الكبرى والمراكز الجامعية.
قوة التنظيم
• صغيرة نسبيًا
• نفوذ فكري أكبر من نفوذها الجماهيري
• حضورها في النقاشات السياسية يفوق حجمها الحقيقي
درجة الحذر التنظيمي
عالية.
لكنها تعتمد أكثر على:
• الشبكات الفكرية
• النشاط الثقافي
• العمل النقابي
بدلًا من المواجهة المباشرة في الشارع
ثالثًا: التيارات الأناركية
القاعدة الطبقية والاجتماعية
هي الأكثر اختلافًا بين جميع مكونات اليسار الروسي.
تضم:
• طلابًا
• فنانين
• مبرمجين
• شبابًا من الطبقة الوسطى الحضرية
• ناشطين بيئيين
• بعض العمال الشباب
ولا تمتلك قاعدة عمالية تقليدية واسعة.
المدن الرئيسية
الأكثر نشاطًا تاريخيًا:
• موسكو
• سانت بطرسبورغ
• يكاترينبورغ
• نوفوسيبيرسك
• إيركوتسك
وغالبًا ما يظهر نشاطها في الأوساط الثقافية والجامعية.
قوة التنظيم
• ضعيفة عدديًا
• شديدة اللامركزية
• تعتمد على مجموعات صغيرة مستقلة
درجة الحذر التنظيمي
مرتفعة جدًا.
وهي الأعلى بين جميع تيارات اليسار الروسي بسبب طبيعة تنظيمها غير المركزي.
مقارنة سريعة
التنظيم القاعدة الاجتماعية المدن الأقوى القوة التنظيمية
الجبهة اليسارية عمال، متقاعدون، شباب ماركسي موسكو، بطرسبورغ، ساراتوف متوسطة
الحركة الاشتراكية الروسية طلاب، أكاديميون، نقابيون موسكو، بطرسبورغ، يكاترينبورغ ضعيفة إلى متوسطة
الأناركيون شباب حضري، طلاب، ناشطون ثقافيون موسكو، بطرسبورغ، نوفوسيبيرسك ضعيفة
إذا نظرنا إلى الواقع المادي الفعلي، سنجد أن اليسار الاحتجاجي الروسي لا يمتلك اليوم قاعدة عمالية واسعة كتلك التي امتلكتها الحركات الاشتراكية التاريخية. قوته الأساسية تتركز في المدن الكبرى، وبين قطاعات من الشباب المتعلم والنشطاء السياسيين والنقابيين. أما داخل المصانع والأحياء العمالية، فما زال نفوذ الحزب الشيوعي التقليدي أكبر من نفوذ معظم تنظيمات اليسار الاحتجاجي، رغم أن الأخيرة أكثر نشاطًا وحيوية على المستوى السياسي والفكري.
