من البحرين إلى النقب.. هل تصبح إسرائيل البديل العسكري للقواعد الأمريكية في الخليج؟

كتب: هانى الكنيسى
مع عودة أجواء الحرب إلى المنطقة في صورة ضربات عسكرية متبادلة -يوميًا- بين بحرية الجيش الأمريكي في الخليج وقوات الحرس الثوري الإيراني، فإن ما بدأ قبل أسابيع كـ”تسريبات إعلامية” تحول اليوم إلى نقاش استراتيجي “شبه علني” يدور حول سوال محوري: هل من الأجدى أن تنقل الولايات المتحدة جزءًا من قواعدها العسكرية بالخليج إلى إسرائيل؟
السؤال الذي نسبه الإعلام العبري إلى مناقشات دارت خلال اليومين الماضيين بين وزراء حكومة النتنياهو بحضور كبار القادة الأمنيين والعسكريين، لا يتعلق في جوهره بموقع قاعدة عسكرية جديدة على الأرض المحتلة وبتجهيزاتها اللوجستية أو ميزانيتها، بل بمستقبل وشكل الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط بعد أن كشفت المواجهات الأخيرة مع إيران أن حتى أكثر القواعد تحصينًا لم تعد بمنأى عن الصواريخ الدقيقة والطائرات المسيّرة.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية وأمريكية، فإن النتنياهو ووزير دفاعه ‘يسرائيل كاتس’ بحثا مع مسؤولين أمريكيين احتمال نقل بعض المنشآت العسكرية الأمريكية من دول خليجية إلى صحراء النقب، في إطار مراجعة أوسع يجريها البنتاغون لانتشار قواته في المنطقة. علماً بأن للولايات المتحدة قاعدة عسكرية “دائمة” في النقب، تُعرف باسم “الموقع 512″، وتقع على قمة جبل ‘هار قيرين’ Har Qeren قرب بلدة بئر سبع، وتضم أحدث تقنيات الاستطلاع والدفاع الجوي مثل منظومة ‘ثاد’ THAAD الصاروخية (التي شاركت بكثافة في التصدي للصواريخ الإيرانية خلال حرب الأربعين يوماً الأخيرة).
هذه النقاشات تزامنت مع تقارير، أبرزها ما نشرته ‘وول ستريت جورنال’ الأمريكية (ونقلت عنه ‘جيروزاليم بوست’ الإسرائيلية مع إضافات وتفاصيل مثيرة)، عن تعرض منشآت في قاعدة “الدعم البحري الأمريكية” بالبحرين NSA (المعروفة محلياً وإعلامياً باسم ‘قاعدة الجفير’ البحرية) لأضرار تفوق بكثير ما أُعلن عنه رسميًا؛ شملت تدمير مباني قيادة ومنشآت اتصالات .. وهو ما أعاد فتح ملف هشاشة القواعد الأمريكية في الخليج أمام الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
من الزاوية الإسرائيلية الأوسع، تبدو الفكرة مغرية وذات جدوى سياسية قبل العسكرية. فإسرائيل التي تمتلك بنية عسكرية متطورة، وشبكة دفاع جوي متعددة الطبقات (القبة الحديدية)، وتعاونًا استخباريًا وعسكريًا لا نظير له مع واشنطن،
تستميت في طرح نفسها باعتبارها “الخيار الأكثر أمانًا” للوجود الأمريكي في الشرق الأوسط، خصوصاً في ضوء مؤشرات عن تردد بعض الحلفاء الخليجيين في الانغماس بشكل مباشر وعلني في الحرب الجارية مع إيران (خشية ردود الفعل الانتقامية على بنيتها المدنية التي لم تسلم بالفعل من صواريخ طهران، خصوصا البحرين والكويت والإمارات).
لكن فريقاً آخر في تل آبيب يحذر من أنه وبرغم فوالد الوجود العسكري الأمريكي “الكثيف” في منح إسرائيل مظلة ردع إضافية، إلا أنه قد يقيد حرية القرار العسكري الإسرائيلي. فإذا استقرت آلاف القوات الأمريكية ومنشآتها داخل حدود الدولة، فإن أي ضربة إسرائيلية “استباقية” ضد إيران أو أحد حلفائها ستأخذ في الحسبان دائماً سلامة تلك القوات، وهو ما “سيمنح واشنطن نفوذًا أكبر في قرارات الحرب والسلم داخل إسرائيل نفسها”، على حد تعبير مسؤول استخباراتي.
وبالتوازي، ثمة من يرى من الخبراء الأمريكيين أنه وبرغم جميع المزايا اللوجستية والأمنية والجغرافية التي توفرها إسرائيل، فإن الحرب الأخيرة مع إيران لم تشكك فقط في صلاحية قواعد الخليج لحماية القوات الأمريكية خارج الحدود، بل أثبتت أن مفهوم “القاعدة الآمنة” نفسه تراجع في عصر الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيّرة بعيدة المدى.
فإيران -وفقاً لذلك الرأي- باتت تعتمد على تقنيات أقل تكلفة وأكثر قدرة على تجاوز الدفاعات التي تقع في مدى صواريخها ومسيراتها. ومن ثم فإن نقل المزيد من القواعد الأمريكية إلى إسرائيل لا يقلص المخاطر الحقيقية، لأن دولة الاحتلال بأكملها تقع ضمن مدى الترسانة الصاروخية الإيرانية، كما أنها تقع في مرمى التهديد المباشر من وكلاء إيران وفصائل المقاومة في لبنان وسوريا والعراق واليمن. الأمر الذي سيحوّل القواعد الأمريكية في إسرائيل لهدف “مشروع” ويمنح إيران امتيازا إضافيا من “الناحية السياسية”، لأن أي هجوم عليها سيُنظر إليه باعتباره استهدافًا مباشرًا للتحالف الأمريكي–الإسرائيلي على أرض العدو، وليس مجرد هجوم على منشأة أمريكية في دولة جارة (ومسلمة).
أما على المستوى العملي، فإن الفكرة تبدو أكثر تعقيدًا مما توحي به العناوين الإعلامية. فالقواعد الأمريكية في الخليج ليست مجرد مبانٍ أو مدارج للطائرات، بل منظومات متكاملة من الموانئ، والاتصالات، والقيادة، والصيانة، وسلاسل الإمداد، والدعم اللوجستي. ونقل كل ذلك إلى إسرائيل يعني إعادة بناء شبكة تشغيل كاملة، بتكلفة قد تصل إلى مليارات الدولارات، وتتطلب سنوات من الإنشاء والتنسيق القانوني والعسكري والسياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن هذا الطرح لا ينسجم تمامًا مع التحول الذي تشهده العقيدة العسكرية الأمريكية نفسها. فخلال السنوات الأخيرة، دعت مراكز بحثية مؤثرة مثل ‘راند’ RAND Corporation وCSIS إلى تقليل الاعتماد على القواعد الضخمة الثابتة، والانتقال إلى نموذج “الانتشار المرن” الذي يوزع القوات على مواقع متعددة ويقلل من فرص توجيه ضربة مؤثرة إلى مركز ثقل واحد. ومن ثم، فإن إنشاء قاعدة أمريكية جديدة كبيرة داخل إسرائيل يبدو أقرب إلى إعادة إنتاج نموذج قديم، بينما يتحرك البنتاغون في الاتجاه المعاكس.
أما خليجيًا، فإن القضية لا تُقرأ باعتبارها مجرد إعادة تموضع عسكري، بل باعتبارها اختبارًا لموثوقية الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة. فالعواصم الخليجية، التي استضافت القواعد الأمريكية لعقود باعتبارها جزءًا من منظومة الردع الجماعي، قد ترى في أي نقل جزئي رسالة سياسية توحي بأن واشنطن تعيد ترتيب أولوياتها الإقليمية. ولهذا ركزت مواقف مسؤولين خليجيين ، نقلتها وكالة ‘رويترز’، على ضرورة أن تتضمن أي ترتيبات جديدة “معالجة دائمة لملف الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، بدل الاكتفاء بتغيير مواقع القوات”.
ومن المنظور الإيراني، سيُنظر إلى أي قاعدة أمريكية جديدة في إسرائيل باعتبارها تصعيدًا نوعيًا، ما قد يدفع طهران إلى إعادة تعريف بنك أهدافها، سواء بصورة مباشرة أو عبر حلفائها الإقليميين، بما يجعل إسرائيل نفسها مركزًا جديدًا للتصعيد بدل أن تكون ملاذًا أكثر أمنًا للقوات الأمريكية.
وفي ضوء ما كشفته الحرب الأخيرة -بامتداداتها وشواهدها الحالية- بأن القواعد الأمريكية في الخليج ليست محصنة من لدغات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا لن يكون نقلًا فعلياً للقواعد الأمريكية من الخليج إلى إسرائيل، بل ربما الاستمرار في استراتيجية “إعادة التموضع الانتقائي”، عبر تعزيز التعاون الدفاعي مع إسرائيل، وتوسيع مخازن السلاح ومنظومات الإنذار المبكر، مع الإبقاء على تمركزها الأساسي في منطقة الخليج.
فالدرس الأهم الذي خرجت به واشنطن من الحرب الإيرانية، كما يرى د. ‘روبرت بيب’، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، هو أن “عليها تغيير فلسفة انتشارها العسكري، لأن المشكلة ليست في جغرافية قواعدها، بل في طبيعة الحرب الجديدة وأدوات الخصم التي تتطور باستمرار”.
