أخبارإبداعات عربيةالهلال الخصيبعاجلمتنوعات

كيف تخترق الاستخبارات الإسرائيلية عقول الأطفال في المدارس الأمريكي؟

كتب: هانى الكنيسى 

سلّطت تحقيقات استقصائية الضوء على الدور الخبيث الذي تلعبه منظمة “براغر يو” PragerU -التي توصف بأنها “إمبراطورية إعلامية”- في إعادة صياغة المناهج التعليمية بالولايات المتحدة، و تشكيل وعي الأطفال الأمريكيين عبر محتوى تعليمي “موجّه”. وبحسب تلك التحقيقات (أبرزها المنشور في موقع ‘مينت برس’ Mint Press)، أصبحت هذه المنظمة شريكاً تعليمياً رسمياً في عشر ولايات أمريكية، بينها فلوريدا وتكساس وأوكلاهوما وأريزونا، حيث تقدم مواد دراسية تشمل فيديوهات وكتباً ومناهج رقمية. 

تأسست “PragerU” عام 2009 على يد الإعلامي اليميني ‘دينيس براغر’، ورغم اسمها الذي يحمل حرف U الشائع كاختصار للفظ “جامعة” University، فهي ليست مؤسسة معتمدة أكاديمياً، بل منصة إعلامية يصفها منتقدوها بأنها “آلة دعاية محافظة”. ومع ذلك، تشير أحدث الإحصائيات إلى أن واحداً من كل ثلاثة أمريكيين قد شاهد محتوى ما لهذه المنصة، ما يعكس مدى شعبيتها داخل المجتمع، ومن ثم حجم نفوذها في الفضاء الإعلامي والتعليمي.

لكن التحول الأبرز في نشاط هذه المنظمة بدأ منذ عام 2023، عندما اتجهت بشكل مباشر نحو المدارس، فوقّعت اتفاقيات مع ولايات عدة لتقديم محتوى تعليمي لطلاب من مرحلة الروضة حتى الثانوية. وحظيت بدعم خاص من الجمهوريين اليمينيين مثل حاكم ولاية فلوريدا ‘رون دي سانتس’، الذي يقود حملة “Stop WOKE Act” (أي أوقفوا قانون الممارسات الخاطئة لأطفالنا وموظفينا) ضد ما يصفه بالطرح الليبرالي في التعليم. 

ووفقاً للمنهج المعدل، يركز المحتوى المقدم للأطفال على قضايا الهوية والتاريخ والسياسة، فيُطلب من المعلمين تدريس موضوعات معينة بزوايا مسيّسة ، كالإشارة على لسان شخصية كارتونية تمثل ‘كريستوفر كولومبوس’ إلى أن “العبيد تعلموا مهارات مفيدة”، كما أُعيد تقديم أحداث تاريخية مثل “مجزرة أوكوي” عام 1920، التي قُتل فيها عشرات الأمريكيين من أصول إفريقية، في سياق “أعمال عنف متبادلة” (*ألا يذكرنا ذلك بصيغة إخبارية شائعة في تناول جرائم الاحتلال في فلسطين؟!). بل وتتناول فيديوهات أخرى قضايا معاصرة مثل مقتل الأمريكي الأسود ‘جورج فلويد’ على يد شرطي أبيض، بسردية تنتقد احتجاجات “الغوغاء” وتبرر عنف الشرطة.

غير أن كل ذلك -رغم خطورة مؤشراته- ليس بيت القصيد في هذا المقال. فما استوقفني شخصيا في ثنايا تلك التحقيقات، ليس فقط المكانة الخاصة التي تحظى بها إسرائيل في محتوى “PragerU”، بل العلاقة العضوية بين نشاطها الاستخباراتي وأجندة هذه المنصة أو المنظمة أو الامبراطورية. 

فالمنظمة المتخفية تحت الستار الأكاديمي، تنتج بهمة ونشاط سلسلة مواد تعليمية تدافع عن سياسات دولة الاحتلال وتقدمها كنموذج وحيد للديمقراطية في الشرق الأوسط. وتؤكد فيديوهاتها أن إسرائيل “لا تمارس التمييز ضد الفلسطينيين أو الأقليات”، دون أي ذكر لتقارير منظمات حقوقية دولية، مثل ‘هيومن رايتس ووتش’ و ‘منظمة العفو الدولية’، التي وصفت السياسات الإسرائيلية بأنها تضاهي نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا قبل تسعينيات القرن الماضي. بل وتعرض على الطلاب الأمريكيين في مراحل تعليمية متنوعة، سلسلة محاضرات بعنوان “إسرائيل في حالة حرب” تندد بـ”كذبة” أن إسرائيل تحتل أراضي جيرانها، وتدعو لتوقيع عريضة “لإدانة حماس الإرهابية”. كما تطرح مناهج دراسية لتعليم الأطفال كيفية صنع نموذج للقبة الحديدية من علب العصير والقش، لتعريف التلاميذ الأميركيين بكيفية “دفاع إسرائيل عن نفسها ضد الإرهاب الفلسطيني”. وبالطبع كان النتنياهو أكثر المناصرين لنشاط المنظمة، فشارك فيديو من إنتاجها بعنوان “إسرائيل: الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”، مع متابعيه عبر الإنترنت.

وربما يزول أي عجب وتنجلي الصورة أكثر، إذا ما تعرفنا علي هوية المديرة التنفيذية للمنظمة ‘ماريسا ستريت’ Marissa Streit المولودة في لوس أنجلوس عام 1981 لأب أسترالي وأم مغربية. فالست ‘ماريسا’ انتقلت إلى إسرائيل في سن السابعة، وأكملت تعليمها هناك. وفي عيد ميلادها الثامن عشر، انضمت إلى “الوحدة 8200” وهي وحدة النخبة في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، التي يُنظر إليها باعتبارها “مركز عمليات الحرب السيبرانية الإسرائيلية”، والتي قادت تطوير برامج تجسس (قذرة) مثل ‘بيغاسوس’، الذي استُخدم لاختراق هواتف آلاف الصحافيين والناشطين والسياسيين حول العالم، وفق تحقيقات نشرتها مؤسسات بحثية مثل “Citizen Lab” و”Forbidden Stories”.

وقد اعترفت ‘ماريسا ستريت’ علناً بأنها تستخدم “التكتيكات والتقنيات” التي صقلت مهاراتها في الوحدة 8200 الإسرائيلية على الشعب الأمريكي، قائلة بالنص في مقابلة صحفية: “عدت إلى الولايات المتحدة ومعي الهدايا التي منحتها إياي إسرائيل خلال تدريبي العسكري، وشعرت بأنني ملزمة بتوظيفها هنا في وطني”. وأضافت: “الكثير مما تعلمته في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية أثر على طريقة تفكيري اليوم. إنها هدية حقيقية”.

أما تمويل “PragerU”، فكان الفضل في مرحلته الأولى لأثرياء صناعة التكسير الهيدروليكي، الأخوين ‘داني و ‘فاريس ويلكس’، اللذين قدما لها 8 ملايين دولار. قبل أن يسحبا دعمهما لاحقاً، بحجة أن المنظمة لم تعد معادية بما يكفي للمثلية الجنسية، إلا أنها وجدت داعماً جديداً أكبر وأهم في شخص المليارديرة الأميركية-الإسرائيلية ‘ميريام أدلسون’ (صديقة ترمب). 

وتشير التقديرات إلى أن “PragerU” جمعت نحو 200 مليون دولار بين عامي 2018 و2022. وبحلول عام 2024، بلغت إيرادات المنظمة 70 مليون دولار، ما مكنها من استقطاب شخصيات إعلامية بارزة مثل ‘بن شابيرو’ و’تاكر كارلسون’.

ورغم إعلانها أنها منظمة “غير سياسية” مسجلة ضمن فئة (501(c)(3))، فإن العديد من المراقبين يرون أن محتواها “موجّه لغسل أدمغة الأطفال”، وللتأثير على “الأجيال الناشئة في مرحلة التكوين الفكري”، برسائل مؤيدة للحرب والشركات الكبرى .. وقبل هذا وذاك الحبيبة إسرائيل.

زر الذهاب إلى الأعلى