ألكسندر بوزغالين: هل يمكن بناء اشتراكية للقرن الحادي والعشرين؟

بقلم: سمير سليم
لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي في ديسمبر 1991 مجرد حدث سياسي أنهى وجود دولة عظمى، بل كان أيضًا لحظة فاصلة هزت الفكر الاشتراكي في العالم كله. فقد بدا لكثيرين آنذاك أن سقوط الاتحاد السوفيتي يعني سقوط الاشتراكية نفسها، وأن الرأسمالية أصبحت النموذج الوحيد القادر على قيادة العالم. وفي خضم هذه الأجواء، اتجه عدد غير قليل من المفكرين إلى مراجعة مواقفهم السابقة، بينما تخلى آخرون عن الفكر الماركسي بصورة كاملة. غير أن هناك من اختار طريقًا مختلفًا وأكثر صعوبة، فلم يدافع عن التجربة السوفيتية باعتبارها تجربة كاملة لا تقبل النقد، ولم يعلن في الوقت نفسه نهاية المشروع الاشتراكي، وإنما حاول أن يفهم أسباب الإخفاق وأن يبحث عن طريق جديد للمستقبل. ومن بين أبرز هؤلاء المفكرين يبرز اسم ألكسندر بوزغالين، الذي كرّس حياته للإجابة عن سؤال ظل يرافقه لعقود طويلة: إذا كانت التجربة السوفيتية قد انتهت، فهل يعني ذلك أن الاشتراكية فقدت مستقبلها، أم أن المطلوب هو إعادة التفكير فيها وبنائها من جديد؟.
ولد ألكسندر بوزغالين في موسكو عام 1954، ونشأ في مجتمع كانت الاشتراكية تمثل فيه الإطار الفكري والسياسي للدولة. درس الاقتصاد السياسي، وانصرف منذ سنواته الأولى إلى البحث في القوانين التي تحكم تطور المجتمعات والأنظمة الاقتصادية. ومع مرور الوقت لم يعد اهتمامه مقتصرًا على دراسة النصوص الكلاسيكية أو إعادة شرحها، بل أصبح يسعى إلى اختبار قدرتها على تفسير الواقع المتغير. ولذلك لم يكن ينظر إلى الماركسية باعتبارها مجموعة من الأفكار الجامدة التي تقدم إجابات نهائية لكل زمان ومكان، وإنما باعتبارها منهجًا نقديًا يساعد على فهم المجتمع واكتشاف تناقضاته، وهو ما جعله مختلفًا عن كثير من المفكرين الذين اكتفوا بتكرار ما كُتب في الماضي.
وعندما دخل الاتحاد السوفيتي سنواته الأخيرة، كان بوزغالين من بين الذين أدركوا أن الأزمة لم تكن اقتصادية فقط، بل كانت أيضًا أزمة في أسلوب إدارة المجتمع وفي طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن. ورأى أن تضخم الجهاز الإداري، وضعف المشاركة الشعبية، وتحول كثير من المؤسسات إلى هياكل مغلقة، كلها عوامل ساهمت في إضعاف النظام من الداخل. لكنه في الوقت نفسه رفض التفسير الذي اختزل انهيار الاتحاد السوفيتي في فشل الاشتراكية ذاتها، مؤكدًا أن التجربة التاريخية، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تتحول إلى معيار للحكم على فكرة إنسانية واسعة مثل العدالة الاجتماعية.
بعد عام 1991 دخلت روسيا مرحلة التحول إلى اقتصاد السوق، وشهدت عمليات خصخصة واسعة، وظهرت طبقة جديدة من كبار رجال الأعمال الذين سيطروا على قطاعات اقتصادية رئيسية خلال سنوات قليلة. وقد تابع بوزغالين هذه التحولات عن قرب، وكتب عنها باعتبارها تعبيرًا عن انتقال سريع إلى نموذج رأسمالي حمل معه تغيرات عميقة في بنية المجتمع الروسي. وكان يرى أن الوعود التي رافقت هذا التحول، والتي تحدثت عن الرخاء والازدهار السريع، لم تتحقق بالصورة التي روج لها، بل ظهرت مشكلات جديدة تمثلت في اتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتراجع الضمانات الاجتماعية، وازدياد نفوذ رأس المال الكبير في الحياة الاقتصادية والسياسية.
غير أن بوزغالين لم يكتفِ بنقد الرأسمالية الروسية، بل وسع دائرة اهتمامه لتشمل الرأسمالية العالمية. فقد رأى أن النظام الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين يختلف في جوانب كثيرة عن ذلك الذي حلله كارل ماركس في القرن التاسع عشر. فالثروة لم تعد تعتمد فقط على المصانع والمواد الخام، بل أصبحت المعرفة والابتكار والتكنولوجيا والمعلومات عناصر أساسية في إنتاج القيمة. كما أن الشركات الكبرى لم تعد تقتصر على إنتاج السلع، وإنما أصبحت تسيطر على البيانات ووسائل الاتصال والمنصات الرقمية، وهو ما منحها نفوذًا اقتصاديًا واجتماعيًا غير مسبوق.
ومن هنا انطلق بوزغالين ليؤكد أن نقد الرأسمالية يجب أن يتطور هو الآخر. فالإخلاص للفكر الماركسي، في رأيه، لا يعني تكرار العبارات القديمة، بل استخدام المنهج نفسه لفهم واقع جديد يختلف كثيرًا عن واقع القرن التاسع عشر. ولذلك كان يدعو إلى دراسة الأشكال الجديدة للعمل، والتغيرات التي أحدثتها الثورة الرقمية، وتأثير الذكاء الاصطناعي، والتحولات التي أصابت سوق العمل، بوصفها قضايا أساسية لأي مشروع يسعى إلى فهم الاقتصاد المعاصر.
ولعل أكثر ما يميز مشروعه الفكري أنه لم يكن يرى التكنولوجيا عدوًا للاشتراكية أو حليفًا للرأسمالية بطبيعتها. فقد كان يؤكد أن التكنولوجيا أداة يمكن استخدامها بطرق مختلفة تبعًا لطبيعة المجتمع. فإذا خضعت لاحتكار عدد محدود من الشركات، فإنها ستؤدي إلى زيادة التفاوت والهيمنة الاقتصادية، أما إذا أصبحت في خدمة المجتمع كله، فإنها يمكن أن تفتح آفاقًا جديدة للتعاون والإبداع وتبادل المعرفة ورفع مستوى الإنتاج وتحسين حياة الناس.
ومن هذا المنطلق، رفض بوزغالين اختزال الاشتراكية في مجرد ملكية الدولة للمصانع والمؤسسات. وكان يرى أن التجربة التاريخية أثبتت أن نقل الملكية إلى الدولة لا يكفي وحده لتحقيق العدالة الاجتماعية إذا بقي المواطن بعيدًا عن صنع القرار. ولذلك كان يؤكد أن الاشتراكية التي يمكن أن تنجح في المستقبل هي تلك التي تقوم على المشاركة الواسعة في إدارة الاقتصاد، وعلى الرقابة المجتمعية، وعلى توسيع دور العاملين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار وتوزيع الموارد.
وكان يعتقد أن الديمقراطية ليست قضية سياسية منفصلة عن الاقتصاد، بل هي جزء أساسي من أي مشروع اشتراكي حقيقي. فلا معنى، في رأيه، للحديث عن العدالة الاجتماعية إذا ظل العامل مجرد منفذ للقرارات التي يتخذها غيره، كما لا يمكن الحديث عن اقتصاد يخدم المجتمع إذا غابت مشاركة المجتمع نفسه في تحديد أولوياته.
ولم تكن هذه الأفكار مجرد تأملات نظرية، بل ظهرت في عشرات الكتب والدراسات والمحاضرات التي حاول من خلالها بناء رؤية جديدة للاشتراكية تتجاوز الانقسام التقليدي بين الدفاع غير النقدي عن الماضي والدعوة إلى القطيعة الكاملة معه. فقد كان يؤمن بأن التاريخ لا يعيد نفسه، وأن كل جيل مطالب بصياغة إجاباته الخاصة عن الأسئلة التي يفرضها عصره.
ولهذا السبب، احتل التعليم والبحث العلمي والثقافة مكانة مركزية في مشروعه الفكري. فقد كان يرى أن المجتمع الذي يسعى إلى العدالة لا يستطيع أن يكتفي بإعادة توزيع الثروة، بل يجب أن يضمن أيضًا إتاحة المعرفة والإبداع لكل أفراده، لأن الإنسان ليس مجرد مستهلك أو قوة عمل، وإنما كائن قادر على الابتكار والمشاركة في صنع الحضارة.
كما أولى اهتمامًا خاصًا بالشباب، معتبرًا أن مستقبل أي مشروع اجتماعي يتوقف على قدرتهم على التفكير الحر والنقد والإبداع، لا على حفظ الشعارات أو تكرارها. ولذلك كان يدعو إلى تجديد الفكر اليساري باستمرار، حتى يظل قادرًا على فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة.
ورغم أن أفكاره انطلقت من الواقع الروسي، فإنها تجاوزت حدود روسيا إلى نقاشات أوسع حول مستقبل الاقتصاد العالمي، وأزمات الرأسمالية، وإمكانات بناء نماذج جديدة للتنمية أكثر عدالة. ولهذا أصبحت كتاباته محل اهتمام لدى باحثين ومفكرين في بلدان عديدة، لأنها لم تكتفِ بوصف المشكلات، بل حاولت البحث عن بدائل واقعية تستفيد من تطور العلم والتكنولوجيا دون أن تتخلى عن قيم المساواة والتضامن.
قد يختلف البعض مع استنتاجات بوزغالين، وقد يرى آخرون أن بعض تصوراته ما زالت أقرب إلى الطموح منها إلى الواقع، لكن من الصعب إنكار أنه كان من أبرز المفكرين الروس الذين سعوا إلى إعادة فتح النقاش حول مستقبل الاشتراكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. فلم يكن هدفه إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، ولا استعادة تجربة تاريخية كما كانت، بل البحث عن طريق جديد يستفيد من نجاحات الماضي ويتجنب أخطاءه.
واليوم، ومع تصاعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي، وتزايد نفوذ الشركات العملاقة، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وتجدد الحديث عن العدالة الاجتماعية ودور الدولة ومستقبل العمل، تبدو الأسئلة التي طرحها ألكسندر بوزغالين أكثر حضورًا مما كانت عليه قبل سنوات. وربما تكمن قيمة مشروعه الفكرية في أنه لم يقدم وصفة جاهزة للمستقبل، بل دعا إلى التفكير المستمر، وإلى التعامل مع الاشتراكية باعتبارها مشروعًا إنسانيًا مفتوحًا يتطور مع تطور المجتمع، لا نموذجًا جامدًا يعيش في الماضي. ولهذا يبقى ألكسندر بوزغالين أحد أهم الأصوات التي سعت إلى إثبات أن انهيار تجربة تاريخية لا يعني نهاية الفكرة، وأن البحث عن مجتمع أكثر عدلًا يظل مهمة متجددة ما دامت أسباب الظلم وعدم المساواة ما زالت قائمة.
