أخبارالشرق قادمالهلال الخصيبعاجل

العقوبات الإيرانية “العكسية” على ترمب في تعبئة الحروب

كتب: هانى الكنيسى 

مع بدء التنفيذ الفعلي لما سمّته الإدارة الأمريكية “يوم الحسم الاقتصادي” Economic D‑Day ضد إيران، بدا وكأن تداعيات الحرب ذاتها ترتدّ على الداخل الأمريكي بنتائج عكسية وبوتيرة أسرع مما توقّع البيت الأبيض. 

فبينما تعهد برمب بأن العقوبات “التي لا نظير لها في التاريخ” ستنزل على الاقتصاد الإيراني كإنزال ‘نورماندي’ لقوات الحلفاء ضد ألمانيا، كشفت صحيفة ‘فاينانشال تايمز’ FT في تقريرها اليوم بعنوان: US grain farmers pummelled as Iran war triggers surge in costs  

أي ” تضرر مزارعي الحبوب جراء ارتفاع تكاليف الحرب مع إيران”

أن المزارعين الأمريكيين -خصوصاً في ولايات الوسط الزراعي- “سُحقوا” بضربة قاسية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والأسمدة، وهي عواقب مرتبطة مباشرة بالحرب المتواصلة (بتنويعات مختلفة) منذ 6 أشهر.

تقرير الصحيفة البريطانية يستفيض في شرح كيف أن أسعار الوقود والمواد الزراعية قفزت بنسب كبيرة منذ اندلاع الحرب، وأن مزارعي الحبوب في ولايات مثل آيوا ونبراسكا أصبحوا يواجهون “أزمة سيولة خانقة”، بينما تتحدث اتحادات الزراعة عن “أسوأ ضربة اقتصادية منذ عقد”. 

والمفارقة هنا تكمن في أن الحرب التي كان يُفترض أن تُضعف إيران اقتصادياً وتزلزل نظامها الحاكم، بدأت تُضعف الاقتصاد الأمريكي (الزراعي على الأقل)، وتهز البيت الأبيض والأغلبية الجمهورية في الكونغرس، قبل أن تُحقق أهدافها “الاستراتيجية” المزعومة في الشرق الأوسط.

هذه المفارقة تتقاطع مباشرة مع فحوى مقال الأكاديمي والمؤرخ ‘جوليان زيليزر’ Julian E. Zelizer، المنشور اليوم في مجلة ‘فورين بوليسي’ Foreign Policy، بعنوان: “What Donald Duck Can Teach Trump About Going to War 

أي “ما الذي يمكن أن يعلّمه “بطوط” لترمب عن خوض الحروب؟”

إذ ينتقد أستاذ التاريخ والشؤون العامة في ‘جامعة برينستون’ Princeton University، إدارة ترمب -بأسلوب ساخر- لأنها “تخوض حرباً بلا سردية سياسية واضحة المعالم، وبلا تعبئة للرأي العام، وبلا شرح للأسباب التي تجعل الأمريكيين يتحمّلون كلفة حرب تجاوزت 35 مليار دولار”. 

فيكتب أن ترمب “لم يهتم أبدًا ببناء تأييد شعبي للحرب”، رغم أن الإدارات الأمريكية السابقة -حتى في الحروب التي استندت إلى معلومات خاطئة (مثل غزو العراق) – كانت تدرك ضرورة “تعبئة الرأي العام” وشرح “نظرية الحرب” للجمهور.

ويذكّر الكاتب بأن الإدارة قدّمت “سلسلة من المبررات المتغيرة للصراع”: بدأت بهدف “القضاء على القدرات النووية الإيرانية”، ثم تحوّلت إلى حملة هدفها “إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً”، رغم أنه كان مفتوحًا للملاحة الدولية قبل الحرب، وهو ما يعكس “غياب الفكر الاستراتيجي لدى ترمب”، ويجعل الحرب تبدو وكأنها “تُدار بردود فعل لا برؤية سياسية أو عسكرية ثابتة”، على حد تعبيره.  

ولكي يشرح أهمية بناء التأييد الشعبي قبل أي عمل عسكري ضخم، يعود البروفيسور ‘زيليزر’ إلى حقبة الحرب العالمية الثانية، حين استعان الرئيس ‘فرانكلين روزفلت’ بشخصيات كارتونية من عالم الترفيه -بينها “دونالد داك” Donald Duck (“بطوط” في التراث العربي) لإنتاج أفلام دعائية قصيرة تشرح للمواطنين لماذا يجب خوض الحرب، وكيف يرتبط الصراع العالمي بحياتهم اليومية. فكانت تلك الأفلام جزءاً من حملة تعبئة وطنية ضخمة “حوّلت الحرب إلى قضية جامعة، لا مجرد قرار رئاسي”، سبقت مطالبة الشعب الأمريكي بـ“التضحية” كما فعل ترمب “الأحمق”. 

وثالثة الأثافي، ما أكّده التحقيق المنشور اليوم في صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ WSJ بعنوان: 

US Officials Warned Trump Against Escalation With Iran Before Epic Fury Strike

وترجمته الحرفية: مسؤولون أمريكيون حذّروا ترمب من التصعيد مع إيران قبل ضربة “الغضب الملحمي”

بأن الرئيس البرتقالي شنّ الحرب المشتركة مع إسرائيل على إيران نهاية فبراير الماضي، بقرار “انفرادي” بحت -تحت تأثير قرينه السياسي “بيبي”، متجاهلًا نصائح كبار مستشاريه، وفي مقدمتهم الرئيسة السابقة للاستخبارات الوطنية ‘تولسي غابارد’ التي حذرته من عواقب اغتيال المرشد علي خامنئي (سيُشعل حرباً إقليمية طويلة ويقوّض أمن الملاحة في الخليج، وربما يأتي بقادة أكثر تشددًا في طهران)، ونائبه ‘جي دي فانس’ الذي أكد له إمكانية الوصول إلى نتائج إيجابية في الملف النووي الإيراني “بدون عمل عسكري ومن دون تحمّل تكاليفه الباهظة”، 

هذه المفارقات التي تكشفها المقالات الثلاثة الآنفة والكاشفة، تتعمّق دلالاتها وتتجسّد استنتاجاتها مع صدور نتائج أحدث استطلاع رأي أجرته وكالة ‘رويترز’ بالتعاون مع مركز أبحاث ‘إيبسوس’ Reuters/Ipsos (المنشور بتاريخ 24 أغسطس)، والذي يربط صراحةً بين مؤشرات “تراجع شعبية” الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والحزب الجمهوري مؤخرا (قبل بضعة أسابيع من انتخابات التجديد النصفي الحاسمة في مجلسي الكونغرس) وتداعيات الحرب الأمريكية “غير الناجحة” على إيران. 

بهذا المعنى، تحوّلت الحرب على إيران -في مقدمتها العسكرية وفي مؤخرتها الاقتصادية- إلى “رهان سياسي” محفوف بالمخاطر، يهدد ليس فقط “سردية وصورة” البيت الأبيض، بل أيضاً تماسك القاعدة الانتخابية للرئيس الأمريكي ولحزبه الجمهوري المترنح أمام موجة غضب شعبي ناجمة عن ارتفاع الأسعار وعدم الاقتناع بمبررات الحرب العبثية، في لحظة فارقة. 

ولربما تحمل نتائج انتخابات نوفمبر المقبلة أول برهان على ما إذا كان ترمب سينجو بفعلته كما فعل سابقًا (وأعيد انتخابه)، أم أنه قد خسر “الرهان” مع الأمريكيين .. مرةً وإلى الأبد.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى