“مختارات من شعر أوكراينكا”.. تفوح برائحة الطبيعة وتحتفي بخصوصية الأجواء المصرية

أحمد عبد الحافظ
كانت زيارات الأديبة والشاعرة الأوكرانية “ليسيا أوكراينكا” للقاهرة في نهاية الربع الأخير من القارن التاسع عشر، والتي كانت لا تتجاوز أشهرًا معدودات كل عام، مصدر إلهام كبير لها، وتمخضت عن تجربة شعرية فريدة من نوعها اختصت بها مصر، سجلتها في ديوان “الربيع في مصر”، وتعكس من خلاله صورة نادرة لمصر في عشرينيات القرن الماضي، وقد أتاحت لها زياراتها أن تشاهد عن قرب الحياة اليومية للشعب المصري خلال فترة الاحتلال الإنجليزي، واستطاعت أن تقدم الطبيعة المصرية من منظور الوافد الذي لم يُفسد الاعتياد خياله، وسجلت الكثير من التفاصيل العابرة.
هذه القصائد التي أبدعتها أوكراينكا صدرت حديثا عن دار العين المصرية في كتاب “ليسيا أوكراينكا.. مختارات من أشعارها ورسائلها” “1871 –1913 “، قدم نسختها العربية المترجم الدكتور سمير مندي والمستعربة الأوكرانية أولينا خوميتسكا، وتم تقسيمها إلى جزئين، وتضمن “الأول” قصائد “الخماسين”، و”تنفس الصحراء”، و”عفراء”، و”ليلة عاصفة”، و”ضيف من الشمال”، و”هبة سرية”، و”حلم” من ديوان “الربيع في مصر”، وهناك أيضا مجموعة قصائد “ألحان” من ديوان “الأفكار والأحلام”، بالإضافة إلى قصائد “متفرقات”، وهي “إلى البيانو الخاص بي” و”أيا حلمي لا تخني” و”أن أترك كل شيء وآتي إليك”، و”دائمًا تفوح من رسائلك رائحة الورد”.

محتويات الجزء الثاني
أما الجزء الثاني فيضم مختارات من رسائل أوكراينكا التي بعثت بها إلى شقيقتها ووالدتها أثناء إقامتها في مصر بحثا عن علاج لمرضها الذي أصابها في العظام، وأودى بحياتها في نهاية المطاف. ورسمت خلالها صورة تاريخية واجتماعية للحياة المصرية أوائل القرن العشرين، وميل أوساط الطبقة الراقية إلى احتذاء طريقة الإنجليز في الحياة، ووصفت أساليب المعيشة داخل البانسيونات والمصحات، واجتماع النزلاء للطعام، وجلوسهم للتسلية في المساء. كما وصفت بدقة الطرز المعمارية، ولم تنس بالطبع أن تشرح تفصيل من حياتها، وحالتها المرضية.
يأتي الكتاب باعتباره الترجمة الأولى لقصائد وأثار “ليسيا أوكراينكا” “1871 –1913 ” إلى اللغة العربية، وهو اهتمام جاء متأخرا كثيرا بأعمالها التي تُرجمت إلى العديد من اللغات الأوروبية.

شعر أوكراينكا رصد لحالات الشعب المصري
لم يكن شعر أوكراينكا مجرد نقلاً آليًا أو فوتوغرافيًا للواقع، أو وثيقة تاريخية تؤرخ لهذا الشأن أو ذاك، وقد امتلكت من السمات الأدبية والجمالية ما وضعها بين مصاف كبار الشعراء، في بلدها وخارجها، واستطاعت في ديوانها “الربيع في مصر” أن تضع يدها على “خصوصية” الشعب المصري التي يمتزج فيها الماضي بالحاضر والفردي بالجماعي، ورصدت ما يستقر في أعماقه من حزن وفرح.
وما تتجاور في سجيته من نقائض وأضداد، وقد ظهر هذا في قصيدة “عفراء”، والتقطت من خلالها حالة الصمت الممزوجة بالخوف التي عاني منها الشعب المصري في لحظات إرهاب المستعمر الإنجليزي له.
وتقول فيها:
وسط الضجيج ودون مبالاة دفع الإنجليز قواتهم بمحاذاة ضفاف
النيل كي تسمع مصر وترتعد. وما إن مروا حتى خيم الصمت بعدهم
كأن مزلاج كبير وثقيل انغلق في معبد مهيب.
واستطاعت في قصيدة “هبة سرية”، أن تستأنس بحركة الناس والشوارع والأسواق، وتصور فيها كيف يحمل الباعة الجائلون البضائع فوق رؤوسهم، كأنها تيجان مصرية:
بصوتٍ شجي في حلاوة الغناء، يمتدح الباعة بضاعتهم
وهم يحملون بفخر حملهم الثقيل،
كأنه تاج يستق فوق الرؤوس الجميلة.
تسأل أوكراينكا كيف أمكن أن يتمتع هذا المصريون بروح المرح والفرح رغم كل ما يعانيه من ألوان الشقاء والتعاسة والظلم؟ حيث تقول في القصيدة نفسها:
من أين يأتي هذا الفرح؟
أتساءل ويتخايل في رأسي
أن صوتًا خفيًا يهمس بأسطورة منسية.
لكن ما يسترعي الانتباه حقًا هو احتفال “أوكراينكا” برياح الخماسين وهبَّاتها المفاجئة المتسارعة. وقد رأتها شعيرة تستعيد من خلالها الصحراء ذكرى مقتل “أوزوريس” على يد “ست” الشرير، وتشير إلى أن “ست” مزق جسد “أوزوريس” وألقى به، لا في النيل، وإنما في الصحراء. وليست هَبة الخماسين بلونها الأصفر إلا فرحًا واحتفالاً بفعلة “ست”.
وقد شبهت أوكراينكا الخماسين، في إحدى رسائلها إلى والدتها، بالتيفون، وهو وحش، كما يرد في الأساطير الإغريقية، شديد الخطورة. لكنها حين تتحدث عنها في قصيدتها “الخماسين” تظهرها كأنها عروس فتنها الرقص، وقد توسطت سُريَّاتها أو جواريها اللائي أخذن يرقصن بدورهن. وتقول فيها :
كأنه عرس جنوني وحشي مفرط الفرح!
تعزف الرمال مثل ناي وهي تنطلق فجأة من سباتها الثقيل،
وعلى الدفوف تضرب الأحجار الصغيرة.
مَن هناك في الضباب الأصفر المبهر يرقص احتفالاً بالخماسين؟
ترفرف أشياء مثل أغطية رقيقة تدور راقصة بسرعة شديدة…
أهؤلاء فتيات سرّيات للرياح؟ أطفال مرحون للصحراء الحزينة؟
حالة شعرية خاصة
وتمتلك “أوكراينكا” تجربة شعرية خاصة جدًا، تعود إلى روح الألم والمعاناة التي تخللت حياتها القصيرة، وفقدها الرجل الوحيد الذي أحبته، وجربت قسوة رؤيته، وهو يحتضر، وسجلت فجيعتها في قصيدة أسمتها “الممسوسة” عام 1901م، وقد تجلى ذلك أيضا في قصيدة “حزني سحابة سوداء” حيث الحياة مجرد فواصل قصيرة بين نوبات تواري الألم وظهوره. أو حتى مجرد استراحة قصيرة لالتقاط الأنفاس واستنئاف المقاومة
وفيها تقول:
تجمع حزني في سحابة سوداء كنارِ الصاعقة انتشر فيها أساي، ضرب في قلبي كبيرون،
وانهمرتْ مطراً غزيراً دموعي.
ومرت تلك العاصفة العنيفة فوقي، لكنها لم تكسرني، لم تسحبني إلى الأرض، فقد رفعتُ بفخر جبيني، وعيوني المغسولة بدموعي الآن ترى أكثر وضوحًا وفي قلبي هتافات ظافرة تدوي.
لم يخفت هذا الألم ولم يتوارَ في شعر ليسا أوكراينكا، ولم يخفت، بالمثل، ولم يذوِ الأمل المفعم بحب الحياة. وهي تختار من أجل التعبير عن ذلك تعبيرات بسيطة ترتبط بالطبيعة وحركة الناس من حولها. وتقول في قصيدة “أتمنى موجهة الأمل” :
وفي الحقل الفقير غير المزروع
سوف أزرع الزهور الملوّنة،
سوف أزرع الزهور في الصقيع،
واسقيها بدموعي المريرة.
نشأتها وتعليمها
ولدت الشاعرة الأوكرانية ليسيا أوكرانيكا عام 1871 م لأم كاتبة وناشرة، وأب مثقف انصب اهتمامه على تطوير الثقافة الأوكرانية ودعم تطوير النشر الأوكراني، وقد أتقنت العديد من اللغات الأجنبية بالإضافة إلى لغتها الأوكرانية الأم، ونشرت أولى مجموعاتها الشعرية “على أجنحة الأغاني” عام 1893 م، وكتبت القصائد الملحمية، والمسرحية، والنثر وبعض المقالات النقدية.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي