إبداعات عربيةعاجلمقالات

اغتيال القمة… لحظة إعادة تشكيل الشرق الأوسط بين الردع والانفجار

معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

ليست كل الاغتيالات حدثًا أمنيًا عابرًا؛ فبعضها يعيد رسم الخرائط الذهنية قبل أن يعيد رسم خرائط النار. حين يُستهدف رأس هرم سياسي عقائدي بحجم السيد علي خامنئي، فإن المسألة لا تتعلق بفقدان قائد فحسب، بل باختبار بنية نظام كامل تأسس منذ عام 1979 على تداخل المرجعية الدينية مع القرار السيادي. هنا تبدأ القراءة الجدية، بعيدًا عن الانفعال وبعيدًا عن التهوين.

إيران ليست دولة تقليدية تُدار بمنطق البيروقراطية الصِّرفة. إنها دولة صاغت شرعيتها من تزاوج العقيدة بالسياسة، ومن سردية الصمود في وجه الضغوط. اغتيال رأس هذا البناء لا يُفهم في الداخل بوصفه عملية عسكرية محدودة، بل كاعتداء على جوهر الفكرة المؤسسة. لذلك، فإن الرد المتوقع لا يكون رمزيًا، بل يُعاد تصميمه ليحمل طابعًا وجوديًا، يهدف إلى تثبيت أن البنية أوسع من الرأس، وأن المؤسسة قادرة على الاستمرار حتى في لحظة الصدمة القصوى.

المعادلة هنا معقدة. من جهة، تراهن واشنطن وتل أبيب على أن الضربة القاصمة تُربك منظومة القرار، وتفتح شقوقًا داخلية يمكن توسيعها عبر الضغط العسكري والحرب النفسية. خطاب ترامب التحذيري، في هذا السياق، ليس مجرد تصريح، بل جزء من إدارة تصعيد محسوب، يهدف إلى ردع ردٍّ غير قابل للاحتواء. إسرائيل بدورها تنظر إلى اللحظة بوصفها فرصة لإعادة هندسة البيئة الأمنية، وربما لإعادة تعريف شكل النظام الإقليمي برمته.

لكن الرهان على التفكك السريع يتجاهل طبيعة النظام الإيراني ذاته. فالحرس الثوري، والمؤسسات الموازية، وشبكة التحالفات الممتدة من العراق إلى لبنان، لم تُبنَ حول شخص واحد فقط، بل حول عقيدة بقاء طويلة النفس. في أدبيات الاستراتيجية، كما تناقشها تقارير RAND Corporation، فإن الأنظمة العقائدية غالبًا ما تتحول، لحظة الاستهداف، إلى حالة تعبئة قصوى، تعيد إنتاج تماسكها عبر تحويل الخسارة إلى رمز جامع.

السيناريوهات الممكنة لا تنحصر بين انتصار كاسح وانهيار شامل. ثمة مساحة واسعة بينهما، حيث تُدار المواجهة عبر رسائل نارية محدودة، وضربات مدروسة، واختبار تدريجي لسقف الاحتمال الدولي. توسعة بنك الأهداف، سواء عبر القواعد العسكرية أو عبر أدوات الضغط غير المباشر، تعكس انتقال الصراع من نمط الاشتباك الموضعي إلى نمط الساحات المتصلة. الجغرافيا لم تعد مجزأة، بل أصبحت شبكة واحدة تتداخل فيها المصالح والقواعد والتحالفات.

غير أن أخطر أبعاد المرحلة ليس في عدد الصواريخ، بل في حرب المعنى. إذا نجحت طهران في تثبيت سردية أن ما جرى اعتداء وجودي يستدعي تعبئة شاملة، فإنها تُحصِّن جبهتها الداخلية وتُصعِّب مهمة خصومها. أما إذا تآكلت هذه السردية تحت ضغط الاقتصاد والعقوبات والتعب الشعبي، فإن الصدمة قد تتحول إلى بداية إعادة تموضع داخلي قاسٍ. هنا تتقاطع السياسة بالاجتماع، والشرعية بالقدرة على إدارة الموارد.

إقليميًا، أي تصعيد واسع سيضع دول الخليج أمام معادلة دقيقة بين حماية أمنها الداخلي، والحفاظ على توازناتها مع واشنطن، وتجنب التحول إلى ساحة مفتوحة للردود المتبادلة. أوروبا بدورها، التي ترتبط بالملف الإيراني عبر الاتفاق النووي ومصالح الطاقة، تجد نفسها أمام اختبار صعب، بين الانخراط الصريح أو محاولة احتواء النار قبل أن تمتد إلى شواطئ المتوسط.

في النهاية، نحن أمام لحظة تعيد تعريف مفهوم الردع ذاته. لم يعد الردع يعني منع الضربة، بل إدارة تداعياتها ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة لا يريدها أحد، لكن قد يُدفع إليها الجميع بفعل الحسابات الخاطئة. بقاء النظام الإيراني أو تراجعه لن يتحدد بخطاب ناري أو ضربة واحدة، بل بقدرته على تحويل الصدمة إلى إعادة تنظيم داخلي، وبقدرة خصومه على تحمّل كلفة مواجهة مفتوحة في إقليم هش بطبيعته.

التاريخ يُظهر أن الاغتيالات الكبرى نادرًا ما تُنهي الصراعات، لكنها غالبًا ما تُدخلها طورًا جديدًا أكثر تعقيدًا. السؤال الحقيقي ليس من بدأ الجولة، بل من يستطيع التحكم بمسارها. وفي هذا الفارق، بين رد الفعل وإدارة الفعل، تتحدد ملامح المرحلة القادمة.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى