شخصيات عربيةعاجل

ناجي العلي.. رسام استثنائي اُغتيل مرتين.. تعرض تمثاله للتخريب والتفجير والاختفاء

 

كتبت: نجوى ابراهيم

“ناجي العلي” ابن النكبة رساما استثنائيا، لا تتكرر حالته إلا نادرا في تاريخ الشعوب، لم يرسم لجيله وإنما للأجيال التي تعاقبت، ولا تزال تعاني مرارة النكبة وما خلفته من معاناة وظلم، رسم بشفافية جارحة في قراءتها للماضي وفي غاية الوضوح في رؤيتها للمستقبل، مما أبقاه حيًا في الشهادة. يشهد حنظلة على التزامه المبدئي لتحرير الوطن والشعب ويشير بصمته الأبدي إلى الأعداء التاريخيين والمستجدينيدير بظهره للمتخاذلين، هكذا وصفه الكاتب “محمود عبدالله” في كتابه “ناجي العلي.. كامل التراب الفلسطيني من أجل هذا قتلوني”.

الاغتيال الثاني

عقب اغتيال ناجي العلي كتب الكثيرون عنه تخليداً له، وبكاءً عليه، كان من بين من خلدوا ذكراه الفنان الرسام والنحات اللبناني “شربل فارس” الذي صنع له نصباً في الذكرى السنوية الأولى لرحيله بعد عمل استغرق عدة شهور.

أكمل شربل النصب ووضعه على المدخل الشمالي لمخيم عين الحلوة الذي ارتبط ناجي به وجسده في العديد من رسوماته، إلا أن التمثال الذي بلغ ارتفاعه 275 سم وعرضه 85 سم تعرض للتخريب والتفجير وإطلاق الرصاص عليه ومن ثم الاختفاء عن المكان الذي وضع فيه.

يكشف محمود عبدالله في كتابه كامل التراب الفلسطيني : “التمثال من الأمام، يحمل الفنان ناجي العلي رسومه بيد وتشكل قبضة اليد الثانية بعروقها البارزة رمزاً لحجر الانتفاضة في فلسطين (وكان الفنان الشهيد أول من بشّر بها في رسوماته)”.

كان شربل الذي ارتبط بعلاقة صداقة حميمة مع ناجي، دشن النصب استجابة لطلب من جمعية ناجي العلي الثقافية، اندفع شربل فارس يغوص في ذاكرته ليجد ما يعطي الفنان حقه فاستحضر كل المواقف التي جمعتهما معاً ليستقي منها التصميم، ويقول :”كنت أشعر في ذلك الوقت أنني أتقمص هذا الشخص، أتقمصه فناناً مناضلاً، وشهيداً، كنت أصنع فعله أكثر مما أصنعه كشخص، وكان الهم الأساسي ليس الشبه في وجه ناجي وجسده. بقدر فعله”

اختير مدخل المخيم لأن ناجي كان أوصى بأن يدفن فيه إلا أن الأمر تعذر، مع تدشين النصب وتنظيم احتفال لإزاحة الستار عنه حضرت مجموعة مسلحة وطوقت المكان وفجرته. بعد ذلك أعيد نصب التمثال إلا أنه تعرض لاعتداء آخر من قبل مجهولين، حيث أطلقت النار على عينه ودمرت يده قبل أن يختفي بالكامل من المكان.

إذاً نصب تخليد ذكراه جرى اغتياله وبهذا يكون قد اغتيل مرتين، لكن حنظلة ورسوماته الأخرى بقيت من بعده ولا زالت تنشر حتى اليوم رغم رحيله المفجع والمأساوي. 

ورغم مضي أكثر من 35 عاما على غياب العلي، فلم يعلن حتى الآن عن هوية الشخص المجهول الذي أطلق الرصاص عليه، ولم يتم الكشف عن الرابط بين إجباره على الرحيل إلى لندن عام 1985 وبين حادث الاغتيال، حتى بعدما فتحت الشرطة البريطانية التحقيق مرة أخرى في عام 2017.

أنجب “ناجي العلي” من زوجته وداد أربعة أولاد هم “خالد وأسامة وليال وجودى . أعاد ابنه خالد إنتاج رسوماته في عدة كتب جمعها من مصادر كثيرة، وتم ترجمة العديد منها إلى الانجليزية والفرنسية ولغات أخرى.

كتب توثق سيرته الذاتية

ظهرت العديد من الكتب التي توثق السيرة الذاتية لناجى العلى وتبرز دوره منها كتاب “ناجى العلى:الريشة والسيف “للناقد والفنان التشكيلى “غازى انعيم” الذى أوضح أن الشهيد الفنان ناجى العلى أرسى أركان فن الكاريكاتور السياسى، ودعّم قواعده بكل جدارة واقتدار من خلال مسيرته الفنية التي قضاها متنقلًا ما بين المجلات والصحف العربية كى يؤدى واجبه ودوره كمبدع عربى أصيل ملتزم يعيش همّ الأمة ويعانى مآسيها. ويقول المؤلف إن أسلوب العلى المميز جعله علامة فارقة في تاريخ الكاريكاتور العربى والعالمى، فهو صاحب رؤية وموقف ومضمون إنسانى وثورى ملتزم.

كما يرى غازى انعيم في رسومات «العلى» أنها جاءت مناشير سياسية تختصر الواقع الأسود الذي نعيشه، وفى الوقت نفسه تُحرّض على هذا الواقع المؤلم، إضافة إلى ذلك كانت رسوماته تحمل كمية من الصدق الذي لا يمكن أن يمحوها الزمن، تعبر عن تطلعات أمته في الحرية والكرامة والتحرر والاستقلال.

غازى انعيم
غازى انعيم

وفى كتاب “أكله الذئب : السيرة الفنية للرسام ناجى العلى (1936-1978)» للكاتب شاكر النابلسى.. يقول: إن استعمال اللونين الأبيض والأسود في هذا الرسم وفى جميع رسوم العلى عمل مقصود ومدروس، فكل من اللونين متناقض متضاد تناقض الحياة العربية وتضادها. فهناك تناقض وتضاد بين ما يقوله السياسيون وما يفعلونه. وهناك تناقض وتضاد بين ما نتصرف به في العلن وما نتصرف به في الخفاء. ولا بد من أن نشير في هذه اللوحة إلى حجم حنظلة الذي يدير دائماً ظهره لنا نحن المهزومين.

ناجي العلي
ناجي العلي

وتحدث كتاب “ناجى العلى”للكاتب “فؤاد معمر”حول أسباب اغتياله مؤكدا أن رسوم ناجى العلى أخطر من ألف عبوة ناسفة وأكثر فاعلية من ألف صاروخ يضرب إسرائيل، فأصبح اغتياله مطلوبا مثل اغتيال غسان كنفانى وكمال ناصر، ويؤكد المؤلف انه في ذلك العام لم يكن الفنان ناجى العلى خصما لأى تنظيم فلسطينى أو للرئيس الراحل ياسر عرفات، أو الشاعر الكبير محمود درويش، وإنما كان خصما للعدو الإسرائيلى الذي كان يرقب كل إطلالة صباح ماذا سيرسم ناجى العلى مؤثرا في حماس أبناء شعبه ومحركة كقوة لا ترضى بالتنازل عن حق العودة إلى الوطن.

ففي كل صباح كان أبناء القضية الفلسطينية في المخيمات وفى المنافى وفى كل مكان يستيقظون على رسومات الفنان ناجى العلى التي جعلت من «حنظلة» صاروخا أشد تدميرا للمخطط الصهيونى.

أعمال عنه

لعب الفنان الراحل نور الشريف شخصية ناجي العلي في فيلم يحمل نفس الاسم وقد أثار هذا العمل حالة من الجدل الواسع وتم منع عرضه في الدول العربية، كما اتهم مخرجه عاطف الطيب بالخيانة لدرجة أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، طالب الرئيس المصري وقتها محمد حسني مبارك بمنع عرض الفيلم.

 

لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي

زر الذهاب إلى الأعلى