ديمقراطية المليارديرات بين روح الحوار و لغة التريليونات

كتب هانى الكنيسى:
إلى ‘دافوس’ السويسرية، وصل ترمب على رأس أحد أكبر الوفود الأميركية في تاريخ المنتدى الاقتصادي (ملتقى الأغنياء السنوي- كما يُكنّى). وخارج مقر الاجتماع الذي يرفع هذا العام شعار “روح الحوار”، تجمّع نحو 300 متظاهر، يرتدي بعضهم أقنعة أغنى أغنياء العالم المياردير ‘إيلون ماسك’، ويلوّح آخرون باليورو الكاريكاتوري، احتجاجاً على “سياسات وقرارات تُحاك بين الأثرياء ويدفع ثمنها فقراء العالم”.
وبالتزامن، يكشف تقرير منظمة ‘أوكسفام’ البريطانية السنوي -المنشور اليوم (الإثنين)- أن ثروة مليارديرات العالم قفزت إلى رقم قياسي يعادل 18.3 تريليون دولار (التريليون يعني ألف مليار أو ألف بليون)، خلال عام واحد فقط (بالصدفة هي السنة الأولى من الفترة الرئاسية لثانية لترمب)، بزيادة قُدّرت بنسبة 16.2% عن عام 2024!
للمرة الأولى، يتجاوز عدد مليارديرات العالم 3000 شخص. أما المفارقة التي تصلح ربما كـ”مانشيت”، فهي أن أغنى 12 شخصاً في العالم، يتقدمهم ‘إيلون ماسك’، باتوا يمتلكون ثروة تفوق ما يملكه نصف تعداد البشرية مجتمعين، أي أكثر من 4 مليارات شخص!!
‘أوكسفام’ لا ترى في هذه الطفرة مجرد خلل اقتصادي، بل أزمة سياسية مكتملة الأركان. فالثروة، كما يوضح التقرير، لم تعد تُكدّس في الخزائن فقط، بل تُستثمر في إعادة تشكيل مفاصل السلطة في أكبر بلدان العالم وفي إعادة تعريف “الديمقراطية”.
امتلاك المنصات الإعلامية بات أداة نفوذ: المَلتي ملياردير ‘ماسك’ استحوذ على ‘إكس X’ (أهم منصات للسوشيال ميديا)، ومن بعده ‘مارك زوكربرغ’ صاحب شركة ‘ميتا’ المالكة لأكثرها جماهيرية “فيسبوك، وانستغرام، وواتساب”، وكذلك مؤسس ‘أمازون’ العملاقة، وثاني أغنى أغنياء العالم، ‘جيف بيزوس’ يمتلك أبرز الصحف الأمريكية والعالمية ‘واشنطن بوست’ .. والقائمة تطول وتتمدد عاما بعد آخر .. وبين هذا وذاك، يتحول الرأي العام إلى “سلعة” للضبط والبرمجة، تماما كما تتلاعب برامج “الذكاء الاصطناعي” وأدوات التكنولوجيا الرقمية، المملوكة لأغنى الأغنياء، بذكاء الأجيال إكس وزد وواي.
وقد كان لـ”الظاهرة الترمبية”، دور واضح في صنع هذه الطفرة خلال عام 2025، متمثّلا في: إلغاء الضوابط التنظيمية لملكية كبرى المؤسسات، وإعفاء الشركات الأمريكية متعددة الجنسيات من الحد الأدنى العالمي للضريبة (15%)، وتقويض أي اتفاق دولي يحاول كبح جموح رأس المال.
والنتيجة، كما يقول تقرير ‘أوكسفام’: “الأثرياء لا يراكمون ثروة لا يمكن إنفاقها فحسب، بل يراكمون سلطة تتيح لهم كتابة القواعد… ثم الفوز باللعبة”.
على الهامش، يؤكد الإعلام الأمريكي أن الرئيس ترمب سيلتقي الرئيس السيسي في دافوس (بعد غد الأربعاء)، وسيعرض عليه عضوية “مجلس السلام” لحكم غزة، والذي انضم إليه عدد كبير من زعماء العالم الحاليين والسابقين.
لكن الإشاعة الرائجة بأن عضوية “النادي” الدولي تتطلب دفع رسم “اشتراك” بقيمة مليار دولار للزعيم البرتقالي، تثير الشكوك في إمكانية قبول الرئيس المصري الدعوة الخبيثة. ولعله يعود من ‘دافوس’ مظفّرا بتفاهمات حول غزة وسد النهضة، أو على الأقل معطَّرً بروائح التريليونات.
