متنوعات

ساعة الصفر: صراع العقائد بين الهيمنة الجوية والجحيم الفرط صوتي

طلال نحلة

في عالم التخطيط العسكري، تُقاس الحروب بقدرة الخصم على “كسر إرادة” الطرف الآخر وليس فقط تدمير عتاده. عند قراءة جدول الحشد القتالي (Order of Battle – ORBAT) للقوات الأمريكية المتدفقة إلى مسرح عمليات القيادة المركزية (CENTCOM)، ومقارنتها بتحديثات الترسانة الصاروخية للحرس الثوري، نجد أننا أمام سيناريو “يوم القيامة الإقليمي”. هذا المقال يفكك شيفرة الـ 24 ساعة الأولى من الحرب المحتملة، دامجاً بين عقيدة “الصدمة والترويع” الغربية وعقيدة “الأرض المحروقة” الإيرانية.

أولاً: الهجوم الأزرق (Blue Force).. تشريح عملية “المطرقة السماوية”

وفقاً للمعطيات، لا يخطط التحالف الغربي (الولايات المتحدة وإسرائيل) لضربات جراحية محدودة، بل لتنفيذ عقيدة “السيادة الجوية عبر الإغراق” (Air Dominance via Saturation). القوة الضاربة المقدرة بـ 250 مقاتلة ستعمل وفق تسلسل عملياتي دقيق يعرف عسكرياً بـ “سلسلة القتل” (Kill Chain):

1. الموجة الأولى: ركل الباب (Kicking Down the Door)

تعتمد هذه المرحلة على “الخفاء الراداري” (Stealth).

القوة المنفذة: أسراب النخبة من طراز F-22 Raptor (للسيادة الجوية) وطائرات F-35 Lightning II بنسختيها الأمريكية (A) والإسرائيلية (Adir).

الهدف التكتيكي: تنفيذ عمليات SEAD/DEAD (إخماد وتدمير الدفاعات الجوية المعادية). ستتسلل هذه المقاتلات لاصطياد رادارات الإنذار المبكر الإيرانية ومنظومات S-300 و Bavar-373، فاتحةً “ممرات آمنة” (Safe Corridors) في جدار الدفاع الجوي الإيراني.

2. الموجة الثانية: الحزمة الضاربة الثقيلة (Heavy Strike Package)

بمجرد حدوث الثغرة، تدخل “شاحنات القنابل”.

القوة المنفذة: القاذفات الاستراتيجية B-52 ومقاتلات F-15E Strike Eagle و F-15I Ra’am (رعام) الإسرائيلية.

التسليح: سيتم استخدام القنابل الخارقة للتحصينات من طراز GBU-57 MOP و GBU-72 لاستهداف منشآت “فوردو” و”نطنز” النووية المحفورة في الجبال، بالإضافة إلى “صوامع الصواريخ” (Missile Silos) تحت الأرض.

الإسناد: انطلاق أسراب F/A-18 Super Hornet من حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، مدعومة بطائرات الحرب الإلكترونية EA-18G Growler لفرض “عمى إلكتروني” كامل على أنظمة الاتصال الإيرانية.

3. عمليات التطهير والإدامة (Cleanup & Sustainment)

تدخل قوات الموجة الثالثة (F-16، Typhoon، و A-10) للتعامل مع الأهداف الساحلية ومنصات الإطلاق المتحركة، مما يخلق كثافة نارية غير مسبوقة في سماء طهران.

ثانياً: الرد الأحمر (Red Force).. تفعيل عقيدة “الردع الهجين”

إيران، المدركة لتفوق خصمها في “المنصات” (Platforms)، سعت للتفوق في “الذخائر” (Munitions). الرد الإيراني لن ينتظر انجلاء غبار المعركة، بل سيبدأ في الدقيقة العاشرة (T+10) معتمداً على تكتيكات “الإغراق الصاروخي” (Missile Swarm Tactics).

1. رأس الحربة: الصدمة الفرط صوتية (The Hypersonic Shock)

لتجاوز عقبة منظومات “آرو-3″ (Arrow-3) و”ثاد” (THAAD)، ستستخدم إيران “ورقتها الرابحة”:

السلاح: صواريخ “فتاح-1″ و”فتاح-2” الفرط صوتية (سرعة 13-15 ماخ).

التكتيك: استهداف “عيون” الدفاع الجوي الإسرائيلي (رادارات Green Pine و AN/TPY-2). تدمير الرادارات يعني تحويل بطاريات الصواريخ الاعتراضية إلى “أصنام حديدية” عمياء، مما يفتح السماء للموجات التالية.

2. حرمان العدو من القواعد (Runway Denial)

السلاح: صواريخ “خيبر” (الجيل الرابع من خرمشهر – وقود سائل يمكن تخزينه، زمن إطلاق 12 دقيقة) وصواريخ “عماد” دقيقة التوجيه.

الهدف: قواعد “نوفاتيم”، “حتسريم”، و”رامون”. الهدف ليس تدمير الطائرات في الجو، بل تدمير المدرجات (Runways) وحظائر الوقود والصيانة، مما يجبر الـ 250 مقاتلة المهاجمة على الهبوط في قواعد بديلة بعيدة أو السقوط لنفاد الوقود.

3. الكمين البحري والجوي (A2/AD Zone)

البحر: تطبيق استراتيجية “منع الوصول/تحريم المناطق”. استخدام صواريخ “خليج فارس” الباليستية المضادة للسفن (ASBM) وصواريخ كروز “أبو مهدي” لمحاصرة حاملة الطائرات لينكولن. بالتزامن مع هجوم أسراب من الزوارق والمسيرات لتشتيت رادارات “إيجيس” (Aegis).

الجو المنخفض: إطلاق صاروخ كروز “باوه” (Paveh-351) الذي يتميز بخاصية “العمل الجماعي” (Swarm Link) لمهاجمة الأهداف من زوايا ميتة، بالتزامن مع آلاف المسيرات الانتحارية (Shahed/Arash) لاستنزاف مخزون صواريخ “القبة الحديدية” باهظة الثمن.

4. ضربة العصر الحجري (Infrastructure Kill)

استخدام صواريخ “سجيل” (وقود صلب، سرعة إطلاق عالية) لضرب شبكات الكهرباء، محطات تحلية المياه، ومصافي النفط في حيفا وأشدود، بهدف إخراج إسرائيل من العصر الصناعي.

ثالثاً: الخلاصة الاستراتيجية.. من “المنتصر” وسط الرماد؟

بتحليل ميزان الخسائر العسكرية، الاقتصادية، والنفسية، نصل إلى الاستنتاجات التالية:

1. الخاسر العسكري (الخسارة التكتيكية): إيران

ستنجح القوة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية الهائلة في تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية، وشل منظومات الدفاع الجوي، وربما تدمير مراكز القيادة والسيطرة. إيران ستخسر عتاداً استثمرت فيه لعقود، وستعود قدراتها العسكرية التقليدية سنوات للوراء.

2. الخاسر الاقتصادي والاستراتيجي (الخسارة الوجودية): إسرائيل

على الرغم من النجاح التكتيكي المحتمل، فإن إسرائيل هي المتضرر الأكبر في المعادلة الشاملة للأسباب التالية:

هشاشة البنية التحتية: إسرائيل دولة صغيرة المساحة ذات بنية تحتية كثيفة وعالية التقنية. ضرب محطات الطاقة والموانئ ومراكز البيانات (Servers farms) يعني شل الاقتصاد الإسرائيلي القائم على التكنولوجيا والتصدير لفترة طويلة.

نظرية الأمن: تعتمد العقيدة الإسرائيلية على “نقل المعركة لأرض العدو” و”الحياة الطبيعية في الجبهة الداخلية”. سقوط 2000 صاروخ فرط صوتي وباليستي ينسف مفهوم “الملاذ الآمن” ويضرب الاستثمار والسياحة والهجرة العكسية في مقتل.

3. العامل النفسي وعقيدة الانتصار

هنا يكمن الفارق الحاسم.

إسرائيل والغرب: يقيسون النصر بمعدلات البقاء (Survivability) والرفاهية واستمرار نمط الحياة الليبرالي. أي انقطاع طويل للكهرباء أو دمار للمدن يعتبر “هزيمة”.

إيران: تعمل وفق عقيدة “النصر عبر الصمود” أو العقيدة “الاستشهادية”. بالنسبة للنظام الإيراني، النصر لا يعني عدم تدمير البنية التحتية، بل يعني “بقاء النظام واقفاً على قدميه وقادراً على إطلاق الصاروخ الأخير”.

حتى لو قُتل القادة ودُمرت القواعد، فإن مجرد قدرة إيران على إطلاق صلية صواريخ في اليوم الأخير من الحرب وحرق منشأة استراتيجية إسرائيلية واحدة سيتم تسويقه داخلياً وإقليمياً على أنه “نصر إلهي” وصمود أسطوري.

النتيجة النهائية:

نحن أمام معادلة (Tactical Victory vs. Strategic Catastrophe). قد تربح أمريكا وإسرائيل “معركة النار” بتدمير الأهداف، لكن إسرائيل قد تخسر “معركة المستقبل” بسبب التكلفة الاقتصادية والنفسية الهائلة التي تفوق قدرتها على الاحتمال مقارنة بخصم عقائدي اعتاد العيش تحت العقوبات والحروب.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى