العرب وافريقياعاجلمقالات

كيف يوظّف الاستعمار الجديد الهويات لإضعاف الدولة والسيادة

كتب محمد إسماعيل:

لم يعد الاستعمار في صيغته المعاصرة يعتمد على الاحتلال المباشر أو الإدارة العسكرية التقليدية. ما يحتاجه اليوم هو دولة ضعيفة، ومجتمع متشظٍ، وصراعات داخلية كافية لجعل التدخل الخارجي يبدو مبرَّراً، بل مطلوباً أحياناً. في هذا السياق، تصبح الهويات الاجتماعية – العرقية، الإثنية، الدينية، الطائفية، بل وحتى الجنسانية والجندرية – أدوات سياسية تُعاد صياغتها وتوظيفها لتفكيك المجتمعات من الداخل، وصولاً إلى إضعاف السيادة الأمنية والسياسية وفتح الباب واسعاً أمام أشكال مختلفة من الهيمنة. 

ما دفعنى لهذه الكتابة هو ما رأيته مؤخرا من اعادة تدوير استخدام نفس هذه الوسائل فى السودان واليمن وليبيا وايران وغيرها من دول الجنوب وسط تشظى الحرب. طبعا استخدام الهويات فى الصراع السودانى بدأ مباشرة بعد الاستقلال ولكن تتم اعادة استخدامها بصورة حديثة. 

التأسيس النظري لهذه الظاهرة يقوم على فهم الدولة الوطنية في دول الجنوب التى نشات بعد الاستقلال بوصفها كياناً هشّ التكوين، نشأ فوق تنوع اجتماعي واسع لم يُتح له تاريخياً أن يُدار عبر عقد اجتماعي عادل وشامل. الاستعمار التقليدي لم يخلق هذا التنوع، لكنه سيّسه وزرع فيه ألغاماً مؤجلة عبر سياسات الحكم غير المباشر، وتسييس القبيلة والطائفة، وترسيم حدود مصطنعة، وصناعة نخب وسيطة مرتبطة بالمركز الاستعماري. الاستعمار الجديد لا يعيد إنتاج هذه البنية من الصفر، بل يعيد تنشيطها كلما ظهرت محاولة لبناء دولة مستقلة القرار أو مشروع سيادي خارج إرادته. 

الآلية الأولى في هذا التفكيك هي تحويل الانتماءات الطبيعية إلى هويات سياسية صلبة. القبيلة التي كانت إطاراً اجتماعياً مرناً تُعاد صياغتها كفاعل سياسي مستقل. الإثنية تُنزَع من سياقها التاريخي وتُقدَّم بوصفها هوية مظلومة في صراع صفري. الدين، الذي يفترض أن يكون منظومة قيم ومعنى، يتحول إلى أداة تعبئة واستقطاب. الطائفة تُختزل إلى كتلة خوف أو تهديد. بهذه الطريقة يُعاد بناء المجال السياسي على أساس الانقسام لا المواطنة، ويُصبح التعايش نفسه موضع شك دائم.

هذا النمط تكرّر في تجارب عديدة. في العراق بعد 2003 لم تكن الطائفية اختراعاً جديداً، لكن تحويلها إلى نظام حكم هو ما دمّر الدولة. الهوية أصبحت أساس توزيع السلطة والموارد، والخارج تحوّل إلى الضامن الوحيد للتوازن. في ليبيا، أُعيد تسييس الجهة والقبيلة والسلاح في لحظة انهيار الدولة، ومع تدخلات خارجية متناقضة تحولت الفوضى إلى حالة بنيوية. في يوغوسلافيا السابقة، جرى تفكيك الدولة عبر إعادة تعريف التنوع الإثني والديني كمشاريع سياسية متصارعة، انتهت بحروب وتدخلات طويلة الأمد. في كل هذه الحالات، لم يكن التنوع هو المشكلة، بل تسييسه خارج مشروع وطني جامع.

في السودان، تتراكب هذه الآليات بصورة أكثر تعقيداً. منذ الاستعمار البريطاني جرى تسييس القبائل والإدارات الأهلية واستخدامها كوسيط للحكم، وزُرعت خطوط فرز جهوية وعرقية لم تُعالَج بعد الاستقلال. فشل الدولة الوطنية لاحقاً في بناء عقد اجتماعي عادل جعل هذه الألغام جاهزة لإعادة التفجير مع كل أزمة. اليوم نرى كيف تتداخل العرقية مع الجهوية، والدين مع السياسة، والسلاح مع الهوية، في مشهد يُضعف أي إمكانية لبناء دولة جامعة دون معالجة جذرية لهذا التفكيك.

في هذا السياق نفسه، برز في العقود الأخيرة توظيف قضايا المرأة والهويات الجنسانية والجندرية كأداة إضافية في ترسانة الاستعمار الجديد. وهنا لا بد من توضيح أساسي: حقوق النساء والعدالة الجندرية وكرامة الأفراد – بصرف النظر عن هوياتهم – قضايا عادلة في جوهرها، ولا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها. الإشكال لا يكمن في الحقوق ذاتها، بل في كيفية توظيفها سياسياً خارج سياقها الاجتماعي، وتحويلها من مشروع تحرر داخلي إلى أداة ضغط أخلاقي خارجي.

يبدأ هذا التوظيف بنزع القضايا الجندرية من سياقها المحلي. بدلاً من أن تُطرح حقوق النساء أو الأقليات الجندرية كجزء من نضال اجتماعي داخلي مرتبط بشروط الحياة والاقتصاد والدولة، تُقدَّم كـ“معايير دولية” جاهزة، مرتبطة بالتقارير والتمويل والتصنيفات. تتحول الحقوق هنا إلى لغة مساءلة خارجية تُستخدم لتصنيف الدول إلى “متقدمة” و“متخلفة”، و“مرضية” و“غير مرضية”. في هذه اللحظة، لا يعود النقاش نقاش مجتمع مع نفسه، بل نقاش سلطة مع الخارج.

ثم تأتي الانتقائية. الخطاب الغربي الذي يرفع راية حقوق الجندر لا يُطبّق بالصرامة نفسها على جميع الدول، بل يُستخدم بمرونة شديدة وفق المصالح. هذا الكيل بمكيالين يُفرغ الخطاب من مصداقيته محلياً، ويحوّله إلى أداة سياسية واضحة. في مجتمعات مثل السودان، تُقرأ هذه الانتقائية سريعاً، فتُفهم القضايا الجندرية لا كحقوق إنسانية، بل كوسيلة ابتزاز أو أداة اختراق ثقافي.

الأخطر هو تحويل هذه القضايا إلى صراع هوياتي صفري. بدلاً من طرح سؤال الكرامة والحقوق داخل المجتمع، يُعاد تأطير النقاش كمعركة بين “حداثة مستوردة” و“تقليد محلي”، أو بين “قيم كونية” و“ثقافة وطنية”. هذا الاستقطاب يخدم التفكيك؛ لأنه يعمّق الانقسام داخل المجتمع، ويضع النساء أو الأقليات الجندرية في مواجهة مجتمعها، لا في قلبه. في هذه الحالة، تُستدعى الدولة القمعية لتلعب دور “حامي القيم”، أو يُستدعى الخارج للعب دور “حامي الحقوق”، وفي الحالتين تُضعف السيادة ويُهمَّش الحل الوطني.

كثيراً ما يُدار ملف الجندر أيضاً بوصفه مشروعاً نخبويّاً، عبر منظمات وخبراء ولغة تقنية منفصلة عن الواقع الاجتماعي، ومرتبطة بالتمويل والتقارير. هذا يفصل القضية عن القواعد الاجتماعية، ويجعلها تبدو كأجندة فوقية لا علاقة لها بأولويات الناس اليومية: الفقر، الحرب، النزوح، العمل، الأمن. في السودان، حيث تتحمل النساء العبء الأكبر من الانهيار الاقتصادي والحرب، يصبح من السهل تصوير الخطاب الجندري – حين يُطرح بهذه الطريقة – كترف منفصل عن معاناة الناس، لا لأن المطالب غير عادلة، بل لأن طريقة طرحها معزولة عن شروط الحياة.

النتيجة النهائية لهذا التوظيف، سواء في العرق أو الدين أو الجندر، هي النتيجة نفسها: مجتمع منقسم على نفسه، ودولة عاجزة عن تمثيل الجميع، وسيادة قابلة للاختراق. حين تُدوَّل المظلومية، تُسحب السياسة من يد المجتمع، ويصبح الحل مرهوناً بالخارج. وحين يُعاد تعريف الحقوق بوصفها أدوات ضغط، لا مسارات تحرر، تُفقد قدرتها على بناء إجماع اجتماعي حقيقي.

الخلاصة أن الاستعمار الجديد لا يحتاج إلى جيوش دائمة بقدر ما يحتاج إلى مجتمعات مفككة. مجتمع مشغول بصراعات الهوية لا يستطيع أن يطالب بسيادة اقتصادية أو سياسية حقيقية. حماية التنوع لا تكون بتسييسه، بل بإدماجه في مشروع وطني جامع. وحماية حقوق النساء والأقليات الجندرية لا تكون بتدويلها أو فرضها كصدمة ثقافية، بل بتجذيرها اجتماعياً وربطها بالعدالة الاقتصادية وبناء الدولة. أي مشروع تحرر يتجاهل هذه المعادلة سيجد نفسه، عاجلاً أو آجلاً، أمام دولة ضعيفة، ومجتمع ممزق، وسيادة تُستباح تحت أي عنوان أخلاقي جذاب.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى