ماذا فقدت الثورة عندما قُدِّمت لها النيوليبرالية

كتب محمد إسماعيل:
أكبر خسارة تتعرض لها الثورات ليست القمع وحده، ولا الانقلاب وحده، ولا حتى الانقسام داخل القوى الثورية، بل أن تُعاد ترجمة حلم الناس إلى “برنامج إصلاح اقتصادي” لا يرى في الجوع إلا رقماً، ولا يرى في الكرامة إلا “كلفة”، ولا يرى في الدولة إلا عبئاً يجب تقليصه. هنا تُسلب الثورة روحها وهي ما تزال تتكلم. تتحول من مشروع لتحرير المجتمع وإعادة توزيع السلطة والثروة، إلى مشروع لإعادة “توازنات” الاقتصاد كما يريدها المموِّل والمانح والسوق. بهذا المعنى، النيوليبرالية لا تأتي بعد الثورة كخيار تقني بريء، بل كآلية لاستيعاب الثورة وترويضها وإعادتها إلى المسار الذي ثارت عليه أصلاً.
الثورات العربية خرجت من قلب تناقض واضح: مجتمعات شابة، بلا فرص، بدولة بوليسية، وباقتصاد يراكم الثروة في القمة ويترك الأغلبية في الهامش. الناس لم تخرج فقط ضد الاستبداد السياسي، بل ضد شكل محدد من الاقتصاد السياسي: احتكار، فساد، محاباة، خصخصة انتقائية، ريع، وطبقات محظوظة مرتبطة بالسلطة. لذلك كانت شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية متداخلة، لا منفصلة. لكن الذي حدث لاحقاً في أكثر من تجربة هو فصل هذه الشعارات عن بعضها. قيل للناس: الحرية أولاً، والعدالة لاحقاً. قيل لهم: الديمقراطية صندوق، والاقتصاد “خبراء”. قيل لهم: الصراع الحقيقي سياسي، أما الجوع فسيُحل عبر “إصلاحات” موجعة لكن ضرورية. وبمجرد قبول هذا الفصل، بدأت الثورة تفقد وزنها التاريخي، لأن الجماهير التي صنعتها بدأت تشعر أن مطالبها الاجتماعية تُؤجَّل بلا ضمان، بينما تُطبَّق عليها سياسات فورية تزيد العبء عليها.
النيوليبرالية في لحظة ما بعد الثورة تعمل كترجمة ناعمة لثورة أُفرغت من مضمونها الاجتماعي. تقول: نعم للتغيير السياسي، لكن دون المساس بالبنية الاقتصادية التي تنتج الظلم. نعم للانتخابات، لكن لا لضرائب تصاعدية حقيقية، ولا لضبط الاحتكار، ولا لاستعادة الدولة لأدواتها السيادية، ولا لإعادة توزيع الموارد. نعم للمجتمع المدني، لكن ضمن حدود التمويل والمشاريع، لا ضمن حدود التنظيم الشعبي القادر على فرض حقوقه. نعم للشفافية كشعار، لكن ليس للعدالة بوصفها تغييراً في ميزان القوى. بهذه الصيغة، تصبح الديمقراطية واجهة بلا قاعدة اجتماعية تحميها، ويصبح الانتقال السياسي هشاً لأن الفقراء والطبقة الوسطى المكسورة لا يرون في “الانتقال” انتقالاً في حياتهم، بل انتقالاً في وجوه السلطة فقط.
وهنا يظهر السبب البنيوي لفشل كثير من الانتقالات: العدالة الاجتماعية ليست بنداً يمكن تأجيله، بل هي شرط الاستقرار السياسي. حين تُتجاهل العدالة، تتآكل شرعية المرحلة الانتقالية بسرعة، ويصبح المجال مفتوحاً لثلاث قوى معروفة: قوة “النظام القديم” الذي يعود باسم الاستقرار، وقوة الشعبوية التي تغذي الغضب بلا مشروع مؤسسي، وقوة العسكرة التي تقدم نفسها كحل أخير للفوضى. وهذه ليست مصادفة. لأن النيوليبرالية حين تُطبَّق في سياق هش، لا تنتج “سوقاً تنافسياً”، بل تنتج قفزات في الأسعار، وتآكلاً في الأجور، وتوسيعاً للفوارق، وتضييقاً لآفاق الشباب. وحين تتدهور الحياة اليومية، تتراجع قدرة المجتمع على حماية المسار الديمقراطي؛ فالناس لا تحرس صندوقاً لا يطعمها، ولا تثق في لغة لا ترى فيها سوى تبرير ألمها.
الذين يدافعون عن هذه السياسات يقولون غالباً: نحن ورثنا اقتصاداً منهاراً، لا بد من إجراءات قاسية، لا بديل. لكن هذه الجملة بالذات هي قلب المشكلة. لأن “لا بديل” ليست حقيقة علمية بقدر ما هي إعلان سياسي: إعلان أن كلفة الانهيار ستُدفع من الأسفل، لا من الأعلى. إعلان أن أولويات الإصلاح ستبدأ من جيب المواطن، لا من شبكات الفساد والاحتكار والتهريب. إعلان أن الدولة ستُطلب منها أن تنسحب من حماية المجتمع، لكنها ستظل قوية حيث يلزم لضبط الغضب وحماية المصالح. هنا تتحول “الواقعية” إلى اسم آخر لانحياز طبقي. وما تسميه النيوليبرالية إصلاحاً، يقرأه الناس كعقاب جماعي على ثورتهم.
هذا يقودنا إلى النقاش حول “تلوين الثورات” أو ما يُسمى “الثورات الملوّنة”. جزء من هذا الخطاب يُستخدم لتشويه أي حراك شعبي بوصفه مشروعاً خارجياً، وهذا تبسيط وظالم ومضلل. لكن في المقابل، إنكار وجود هندسة خارجية لمسارات ما بعد الثورة أيضاً سذاجة. الحقيقة الأكثر إزعاجاً هي أن الخارج لا يصنع الثورة من العدم غالباً، لكنه بارع في صناعة “ما بعد الثورة” على مقاس مصالحه. يفعل ذلك عبر التمويل، والإعلام، والدعم السياسي الانتقائي، والأجندات الجاهزة، والأهم: عبر دفع الانتقال إلى نموذج اقتصادي بعينه يضمن استمرار انفتاح الموارد والأسواق، ويضمن أن التغيير السياسي لا يتحول إلى تغيير في توزيع الثروة أو في شروط التبعية. هنا تلتقي النيوليبرالية مع “تلوين الثورات” في نقطة واحدة: تحويل الثورة من صراع اجتماعي-سياسي على العدالة والسيادة، إلى مسار إداري-انتخابي منضبط يمكن احتواؤه، ثم اتهامه لاحقاً بأنه كان مؤامرة حين يفشل.
في السودان تحديداً، تتجلى هذه المعضلة بصورة مؤلمة. الثورة خرجت من تراكم قهر اقتصادي وسياسي طويل، ومن إحساس عميق بأن الدولة لا تمثل الناس بل تمثل شبكة مصالح. لكن لحظة الانتقال، بدلاً من أن تكون لحظة إعادة تأسيس عقد اجتماعي جديد يضع العدالة في المركز، دخلت سريعاً في منطق “الإصلاح” بوصفه طريق الشرعية الدولية. كثير من الناس شعروا أن الثورة تُطلب منها تضحيات جديدة باسم الاقتصاد، بينما لم يروا تفكيكاً كافياً لشبكات الامتياز، ولا تحوّلاً ملموساً في بنية الريع والاحتكار والتهريب، ولا تأسيساً لمؤسسات حماية اجتماعية تليق بثورة رفعت شعار الكرامة. وهكذا بدأ التوتر بين “روح الثورة” و“لغة الإصلاح”، بين شارع يريد عدالة ملموسة، ومؤسسات انتقالية تقيس النجاح بمؤشرات مطابقة لمعيار خارجي أكثر مما تقيسه برضا المجتمع.
وحين تتعثر الثورات تحتن ضغط هذه الفجوة، يصبح من السهل على الخصوم أن يقولوا: أرأيتم؟ هذه ثورة فوضى. أو يقولوا: هذه ثورة ملوّنة. أو يقولوا: الديمقراطية لا تصلح لنا. بينما الحقيقة أن جزءاً كبيراً من الفشل هو فشل في فهم أن الثورة ليست فقط تغيير رأس السلطة، بل تغيير شروط الحياة التي تجعل السلطة ممكنة. وأن الانتقال الذي يتجاهل العدالة الاجتماعية يزرع في داخله بذرة الانهيار: لأنه يطلب من الناس الصبر دون أفق، ويطلب منهم تحمل الألم دون توزيع عادل للكلفة، ويطلب منهم الثقة في “خبراء” لا يملكون تفويضاً شعبياً لفرض وصفات مصيرية.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نؤمن بالثورة أو نرفضها؟ بل: هل نؤمن بأن الثورة مشروع عدالة وسيادة، أم نريدها مجرد تبديل نخب داخل نفس البنية؟ إذا كانت الثورة مشروع عدالة، فلا معنى لانتقال يعيد إنتاج الفقر والهشاشة ويترك الامتيازات على حالها. وإذا كانت الثورة مشروع سيادة، فلا معنى لاقتصاد يُدار كملف خارجي يبحث عن رضا الممول قبل رضا المجتمع. وإذا كانت الثورة مشروع كرامة، فلا معنى لسياسات تجعل الخبز والدواء والمواصلات عبئاً يومياً ثم تطلب من الناس أن يتعاملوا مع ذلك كضرورة “علمية”.
هذه ليست دعوة رومانسيّة لتجاهل صعوبة الاقتصاد، ولا إنكاراً لتعقيد إدارة دولة منهارة. لكنها دعوة راديكالية بالمعنى الحقيقي: العودة إلى الجذور. الجذر هنا هو أن العدالة الاجتماعية ليست ترفاً ثورياً، بل شرط بقاء الثورة. وأن من يقدّم النيوليبرالية للثورة كحل وحيد، إنما يقدّم لها، عملياً، طريقاً لفقدان قاعدتها الشعبية، ثم طريقاً لاستعادة النظام القديم بأسماء مختلفة. فإذا أردنا أن نفهم لماذا فشل الانتقال في أكثر من بلد عربي، علينا أن نعترف بأن الفشل لم يكن فقط أمنياً أو سياسياً، بل كان أيضاً اقتصادياً-اجتماعياً: حين جرى التعامل مع الثورة كحدث سياسي منفصل عن البنية التي صنعتها.
وإذا كان هذا المقال شديد النقد، فذلك لأن التجربة كانت قاسية، ولأن السودان اليوم يدفع ثمناً مضاعفاً. وما لم نضع العدالة في قلب فهمنا للثورة، سنظل ندور في الحلقة نفسها: ثورة تُختطف لغوياً باسم الإصلاح، ثم تُهزم اجتماعياً باسم الواقعية، ثم تُشيطن سياسياً باسم المؤامرة، ثم يعود الاستبداد بوصفه علاجاً للفوضى التي صنعها إقصاء العدالة.
نحن الان فى خواتيم نقدنا وتفكيكنا لعقيدة النيوليبرالية وتبقى لى القليل من الافكار التى اريد اخضاعها للكتابة عن تفكيك النيوليبرالية قبل ان انتقل الى سؤال كيفية المقاومة وماهى البدائل.
