أخبارإبداعات عربيةحول الخليجعاجل

إسرائيل لا تتعلم من دروس أوكرانيا

بقلم: سامح عسكر

مرة أخرى، يثبت الواقع أن الحروب الحديثة لا تُخاض بالعقلية القديمة، وأن من يتجاهل دروس الميدان يدفع الثمن سريعًا. ما يجري على الحدود اللبنانية اليوم يكشف بوضوح أن إسرائيل لم تستوعب بعد التحولات العميقة التي فرضتها حرب أوكرانيا على طبيعة القتال، خاصة في ما يتعلق باستخدام الطائرات المسيّرة.

لقد أصبحت الطائرات من نوع FPV واحدة من أخطر أدوات القتال الحديثة، ليس بسبب تعقيدها، بل على العكس تمامًا، بسبب بساطتها وفعاليتها العالية. هذه المسيّرات الصغيرة قادرة على إصابة أهدافها بدقة لافتة، خصوصًا الأفراد والمعدات، وتُستخدم بطريقة تكتيكية تجعل من الصعب التعامل معها بالوسائل التقليدية.

المفارقة أن هذا النوع من السلاح لم يعد حكرًا على الجيوش النظامية، بل أصبح في متناول الفاعلين غير التقليديين، وهو ما غيّر قواعد الاشتباك بشكل جذري. في أوكرانيا، لعبت هذه الطائرات دورًا بارزًا في إنهاك القوات وإرباك خطوط الإمداد، وأثبتت أن التكنولوجيا منخفضة التكلفة يمكن أن تُحدث تأثيرًا استراتيجيًا كبيرًا.

في الجنوب اللبناني، تشير المعطيات الميدانية إلى تصاعد استخدام هذه الوسائل، وهو ما يفرض تحديات جديدة على الجيش الإسرائيلي، خاصة في البيئات العمرانية المعقدة. فالدخول إلى مناطق مأهولة لم يعد مجرد تحرك بري تقليدي، بل تحول إلى مخاطرة عالية في ظل وجود أدوات قادرة على الاستهداف الدقيق والمفاجئ.

الأخطر من ذلك هو عنصر الغموض؛ إذ لا توجد تقديرات دقيقة لحجم القدرات المتاحة لدى الطرف الآخر، ولا لمدى استدامة استخدامها. هذا الغموض بحد ذاته يمثل عامل ردع، ويُعقّد حسابات أي عملية عسكرية محتملة.

لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن فقط في طبيعة السلاح، بل في طريقة التفكير. الاعتماد على التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافيًا في مواجهة خصم يعتمد على المرونة والتكتيكات غير المتوقعة. التاريخ العسكري مليء بأمثلة لجيوش قوية خسرت لأنها لم تتكيف مع المتغيرات.

إن تجاهل الدروس المستفادة من أوكرانيا، خاصة فيما يتعلق بالحرب غير المتكافئة واستخدام التكنولوجيا البسيطة بذكاء، قد يؤدي إلى تكرار أخطاء مكلفة. فالمعركة اليوم لم تعد بين جيوش فقط، بل بين أنماط تفكير مختلفة: أحدها تقليدي يراهن على القوة الصلبة، وآخر يتطور باستمرار ويستفيد من كل تجربة سابقة.

في النهاية، من لا يتعلم من الحروب القريبة، سيجد نفسه يخوضها مرة أخرى، لكن بثمن أكبر.

زر الذهاب إلى الأعلى