مسيّرات FPV بين الواقع والدعاية: هل تغيّر موازين الحرب فعلًا؟

بقلم: سامح عسكر
في خضم التصعيدات الإقليمية والحديث المتكرر عن احتمالات اندلاع مواجهة جديدة على الجبهة اللبنانية، يتصاعد خطاب إعلامي يروّج لامتلاك بعض الأطراف “سلاحًا حاسمًا” قادرًا على تدمير الجيوش وإحداث تأثير يعادل القنبلة الذرية. ويجري في هذا السياق تسليط الضوء على المسيّرات الانتحارية صغيرة الحجم المعروفة باسم FPV، بوصفها “سيدة المعركة” في الحروب الحديثة.
لكن قراءة هادئة للتاريخ العسكري، وللوقائع الميدانية الراهنة، تكشف أن هذا الطرح ينطوي على قدر كبير من المبالغة.
منذ فجر التاريخ، لم تتوقف أدوات القتال عن التطور؛ من الصراع البدائي بالأيدي، إلى استخدام الحجارة والعصي، ثم المعادن كالبرونز والحديد، وصولًا إلى القوس والمنجنيق، فالبارود والمدافع، وصولًا إلى الطيران الحربي والصواريخ. كل مرحلة من هذه المراحل منحت تفوقًا مؤقتًا لمن يمتلك التقنية الأحدث، لكنها لم تُلغِ ما قبلها بالكامل، بل أعادت تشكيله ضمن منظومة أوسع وأكثر تعقيدًا.
وفي هذا الإطار، برزت المسيّرات FPV خلال الحرب الروسية الأوكرانية كأحد أبرز مظاهر التحول في تكتيكات القتال، حيث أثبتت فعاليتها في استهداف الأفراد والمركبات بدقة عالية وتكلفة منخفضة نسبيًا. وقد ساهم انتشارها الواسع في إرباك الحسابات التقليدية، خاصة مع صعوبة رصدها في بعض الحالات.
غير أن اعتبار هذه المسيّرات بديلاً شاملًا لبقية منظومات التسليح، أو وصفها بأنها قادرة على “إبادة الجيوش”، يبتعد عن التقييم الواقعي. فحتى في ساحات القتال التي شهدت استخدامها بكثافة، لا تزال المدفعية الثقيلة تحتفظ بدورها الحاسم في إيقاع الخسائر، كما يظل الطيران الحربي والصواريخ بعيدة المدى عنصرين أساسيين في رسم مسار العمليات العسكرية.
كما أن الجيوش النظامية لم تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التطور، بل سارعت إلى تطوير وسائل مضادة، تشمل أنظمة التشويش الإلكتروني، والدفاعات قصيرة المدى، وتكتيكات انتشار جديدة تقلل من فعالية هذه المسيّرات. وهو ما يعكس القاعدة الثابتة في تاريخ الحروب: كل سلاح يولد معه مضاده.
أما فيما يتعلق بقدرات حزب الله، فمن المعروف أنه يعتمد على مزيج متنوع من أدوات القتال، تشمل الصواريخ والمسيّرات ووسائل الحرب غير التقليدية. وتُعد المسيّرات جزءًا من هذه المنظومة، لكنها لا تمثل وحدها عنصر الحسم أو “سلاحًا خارقًا” كما يُروَّج.
وتبقى المقارنة بين هذه المسيّرات والأسلحة النووية أو كوارث بحجم “تشيرنوبيل” بعيدة تمامًا عن الدقة؛ فالفارق بين التأثيرين شاسع، سواء من حيث النطاق أو القدرة التدميرية أو الأثر الاستراتيجي.
في المحصلة، يمكن القول إن مسيّرات FPV تمثل تطورًا مهمًا في ساحة المعركة الحديثة، وتمنح مستخدميها ميزة تكتيكية ملموسة، لكنها تظل أداة ضمن منظومة متكاملة من الأسلحة، وليست “العصا السحرية” القادرة على حسم الحروب بمفردها.
