“سر” القاعدة المصرية في جنوب السودان .. وإعادة تشكيل توازنات القوة في القرن الأفريقي

كتب: هانى الكنيسى
لا أدري حقيقةً سبب تجاهل الإعلام العربي -والمصري خاصةً- التقارير الإخبارية الأخيرة عن طلب حكومة جنوب السودان رسميًا من مصر إخلاء قاعدتها العسكرية في منطقة ‘جوت–باجاك’ بولاية أعالي النيل، قرب حدود الجمهورية الناشئة مع كل من جارتيها الإثيوبية والسودانية.
وذلك، رغم أن القرار المباغت الذي وصفه مسؤول “أمني” في جوبا بأنه “أوامر لا رجعة فيها” يكشف مدى التوتر المهيمن على عواصم القرن الأفريقي من احتمال انزلاق الصراع “المكتوم” بين مصر وإثيوبيا إلى مواجهة مفتوحة تتجاوز أزمة سد النهضة نحو حرب نفوذ إقليمية متعددة الجبهات.
وفي محاولة بحثية متواضعة مني، اعتمدت على عدد من المراجع ذات الصلة لكي أرسم صورة “واقعية قدر الإمكان” للقصة العجيبة وخلفياتها التاريخية والسياسية وأبعادها الجيوسياسية.
لكن قبل الولوج إلى صلب الموضوع، وجب التنويه إلى عامل “التوقيت الزمني”، إذ إن تحرك جنوب السودان الأخير تزامن مع تصعيد غير مسبوق بين الخرطوم وأديس أبابا إثر اتهامات سودانية علنية لإثيوبيا بالسماح بانطلاق هجمات مسيّرات قوات الدعم السريع (بزعامة الميليشياوي ‘محمد حمدان دقلو’ الشهير إعلامياً بحميدتي) من أراضيها ضد أهداف تابعة للجيش النظامي (بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان) وبنى تحتية داخل السودان. وبينما ردّت إثيوبيا بتصعيد دبلوماسي تمثّل في سحب اعتماد السفير السوداني لديها، بدأت جوبا تتحسس خواصرها الجغرافية وتراجع علاقاتها الأمنية/ العسكرية، خشية أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية.
تقع القاعدة العسكرية المصرية المزعومة في منطقة ‘جوت–باجاك’ Jute-Pagak في ولاية أعالي النيل، قرب المثلث الحدودي بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان، وعلى مسافة حساسة من إقليم ‘بني شنقول–قمز’ الإثيوبي، حيث يقبع “سد النهضة” الذي تعتبره القاهرة -نظرياً- تهديدًا وجوديًا لحصتها التاريخية من مياه النيل، وتكتفي -عمليًا- بكلمة “شرف” من رئيس الوزراء حائز جائزة نوبل ‘آبي أحمد’ بعدم الإضرار بمصالح مصر، في قسمه الشهير “باللغة العربية” على الشاشة لرئيسها السيسي في القاهرة، يوم 10 يونيو 2018 (أي قبل عامين بالتمام والكمال من اكتمال الملء الأول لخزان سد النهضة الإثيوبي في يوليو 2020).
لكن خلف الستار، تكشف تقارير تعود إلى يونيو 2020 عن سعي مصري لإقامة “موطئ قدم عسكري” في تلك المنطقة الاستراتيجية ، رغم نفي جوبا الرسمي آنذاك.
ولعل تسرّب قرار الإغلاق الحالي للقاعدة -حتى إن لم تؤكده الحكومة رسمياً- يُعد اعترافًا ضمنيًا بأن نشاطًا عسكريًا مصريًا ترسخ هناك بهدوء خلال السنوات الماضية.
ولهذا السبب، لم يُنظر إلى الوجود العسكري المصري على أرض جنوب السودان كتعاون أمني عابر، بل كجزء من استراتيجية مصرية أوسع لتطويق إثيوبيا وامتلاك أوراق ضغط جغرافية على سد نهضتها.
الباحث الإثيوبي ‘تسغااب أمار’ Amare، اعتبر في تحليله المنشور بمجلة Horn Review، أن إغلاق القاعدة يمثل “رسالة استراتيجية” من جوبا أكثر منه إجراءً إداريًا. ويوضح أن ‘باجاك’ ليست منطقة حدودية عادية، بل كانت مقرًا سابقًا لقوات ‘رياك مشار’ زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضة، ما منحها تاريخيًا طابعًا عسكريًا وأمنيًا بالغ الحساسية.
تتجلى أهمية هذه التطورات بالنظر إلى أن جنوب السودان (التي انفصلت عن السودان عام 2011) باتت تميل تدريجيًا نحو المعسكر الإثيوبي في ملف مياه النيل (“تحت تأثير إغراءات مالية إماراتية أو إسرائيلية” وفق ما ورد في تقارير صحفية غير موثقة). ففي أكتوبر 2024، انضمت جوبا رسميًا إلى اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل، المعروفة بـ”اتفاقية عنتيبي” والتي تناقض الاتفاقيات التاريخية (منذ عهد الاستعمار البريطاني) التي تستند إليها مصر في الدفاع عن حصتها المائية.
وترى أديس أبابا أن أي وجود عسكري مصري في أعالي النيل، خصوصًا قرب ‘بني شنقول’، لم يعد مجرد مركز مراقبة، بل تهديدًا أمنيًا محتملاً، خاصة بعدما دخل سد النهضة مرحلة التشغيل شبه الكامل، مع قدرة إنتاج تتجاوز خمسة آلاف ميغاواط من الكهرباء.
في المقابل، نسجت القاهرة خلال السنوات الأخيرة شبكة تحالفات وتحركات عسكرية حول إثيوبيا. ففي الصومال، وقعت مصر اتفاقية دفاع مع مقديشو في أغسطس 2024، ثم بدأت بنشر قوات ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة AUSSOM عام 2025، في خطوة فسرتها أديس أبابا كمحاولة لفتح جبهة ضغط شرقية عليها.
وفي إريتريا، عززت مصر نفوذها خاصة حول ميناء “عصب” على البحر الأحمر. كما وسعت مصر ترتيباتها البحرية في جيبوتي، بالتوازي مع دعمها السياسي والعسكري للجيش السوداني بقيادة البرهان ضد الدعم السريع (إلى حد نشر تقارير عسكرية عن ضربات نُسبت لسلاح الجو المصري في يناير 2026 استهدفت قوافل إمداد ومستودعات عسكرية تابعة لقوات الدعم).
ومن هذا المنطلق، فلا يمكن قراءة قرار جوبا بإغلاق القاعدة العسكرية المصرية -إن صحّ الخبر- عن تطورات الحرب السودانية نفسها. فجنوب السودان يدرك أن أي تصعيد مصري–إثيوبي قد يجره تلقائيًا إلى قلب الصراع، خصوصًا مع تحول المناطق الحدودية في النيل الأزرق وأعالي النيل إلى ساحات معارك متداخلة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، فضلًا عن نشاط الميليشيات العابرة للحدود.
وعن ذلك، تنقل مصادر إعلامية عن مسؤول أمني في جوبا أن بلاده “لا تريد أن تُعامل كقاعدة خلفية لأي عمليات عدائية ضد إثيوبيا أو السودان”، مضيفًا أن “خطر التعرض لهجمات عابرة للحدود أصبح يفوق أي مكاسب سياسية من استمرار الوجود العسكري المصري”.
وبينما تتسارع تغيرات خريطة النفوذ في القرن الأفريقي، يرى بعض الخبراء أن إثيوبيا -رغم أزماتها الاقتصادية والأمنية الداخلية- تملك “أفضلية جغرافية” داخل حوض النيل، كما تحتفظ بعلاقات تاريخية عميقة مع جارتها جنوب السودان عبر الحركة الشعبية الجنوبية منذ عهد ‘جون قرنق’، فضلًا عن استمرار وجود قوات إثيوبية ضمن بعثة الأمم المتحدة الأمنية المؤقتة في أبيي المعروفة باسم “يونيسفا”.
أما مصر، فتعتمد بصورة أكبر على التحالفات العسكرية والضغوط السياسية ومحاولة بناء طوق نفوذ يمتد من البحر الأحمر إلى القرن الأفريقي، وهو ما بات يصطدم بتغيرات إقليمية متسارعة، أبرزها دخول الإمارات بقوة على خط الصراع السوداني، وتنامي الحضور التركي والخليجي في شرق أفريقيا.
ويحذر مراقبون من أن أخطر ما في المشهد الحالي ليس مقصوراً على تداعيات أزمة سد النهضة والحرب الأهلية السودانية، بل تحول منطقة القرن الأفريقي برمتها إلى رقعة تنافس عسكري مفتوح بين محاور إقليمية ودولية، في ظل انهيار الدولة السودانية، وتزايد عسكرة البحر الأحمر، واتساع سباق القواعد العسكرية الأجنبية من جيبوتي حتى الصومال وإريتريا.
وفي هذا السياق، يتفق أكثر من محلل على أن قرار جوبا بطرد قاعدة ‘باجاك’ العسكرية المصرية من أراضيها أقرب إلى إعلان “حياد اضطراري” منه إلى قطيعة مع القاهرة. فجنوب السودان لا يريد خسارة الدعم المصري، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن الانحياز الكامل إلى أي محور قد يحوله إلى ساحة مواجهة مباشرة في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة واضطرابًا.
وفي المقابل، يرى عدد من الباحثين المهتمين بالملف أن هذه الخطوة قد تكون مقدمة -تستحق الدراسة- لتحول أوسع في فلسفة الأمن الإقليمي بالقرن الأفريقي، يقوم على بناء ترتيبات أمنية مشتركة بين دول المنطقة في مواجهة “لعبة المحاور” التي تفرضها قوى خارجية “ذات أطماع” جعلت من النيل والبحر الأحمر مسرحًا دائمًا لصراعات النفوذ الدولية.
