نانسي فريزر: هل تكفي العدالة الاقتصادية لبناء مجتمع عادل؟ – الجزء الثاني

بقلم: سمير سليم
مع انتقال نانسي فريزر إلى دراسة الرأسمالية المعاصرة، لم تعد تركز فقط على مسألة توزيع الثروة أو الاعتراف الاجتماعي، بل بدأت تنظر إلى النظام الرأسمالي باعتباره بنية أوسع تنتج أزمات متعددة في الوقت نفسه. فالمشكلة، من وجهة نظرها، ليست فقط في وجود تفاوت بين من يملكون ومن لا يملكون، وإنما في الطريقة التي ينظم بها هذا النظام العلاقة بين الاقتصاد والمجتمع والطبيعة والسياسة.
وترى فريزر أن الرأسمالية لا تعمل داخل مجال اقتصادي منفصل عن بقية جوانب الحياة، بل تعتمد على مجموعة من الشروط الاجتماعية التي غالبًا لا تظهر في الحسابات الاقتصادية التقليدية. فالإنتاج يحتاج إلى عمال قادرين على العمل، لكنه يحتاج أيضًا إلى أسر تقوم برعاية الأطفال، ومجتمعات توفر التعليم والصحة، وبيئة طبيعية تقدم الموارد اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي.
ومن هنا طرحت سؤالًا أساسيًا: ماذا يحدث عندما يعتمد النظام الاقتصادي على هذه الشروط، لكنه في الوقت نفسه يضعفها أو يستنزفها؟
الرأسمالية وأزمة الرعاية الاجتماعية
من أهم إسهامات فريزر تحليلها للعلاقة بين الرأسمالية والعمل غير المدفوع، خصوصًا أعمال الرعاية التي تقوم بها قطاعات كبيرة من المجتمع ولا تحصل غالبًا على التقدير الاقتصادي الكافي.
فتربية الأطفال، ورعاية المرضى وكبار السن، والأعمال المنزلية، كلها أعمال ضرورية لاستمرار المجتمع والاقتصاد، لكنها غالبًا لا تظهر في حسابات الإنتاج والثروة.
وترى فريزر أن الرأسمالية استفادت تاريخيًا من وجود هذا العمل غير المدفوع، لأنها تعتمد على وجود أجيال جديدة من العمال وعلى إعادة إنتاج الحياة اليومية، دون أن تتحمل دائمًا التكلفة الحقيقية لهذه العملية.
لكن مع تغير بنية الأسرة ودخول أعداد أكبر من النساء إلى سوق العمل، ظهرت أزمة جديدة: فمن يقوم بأعمال الرعاية عندما لا يوفر المجتمع آليات كافية لها؟ وهل يمكن أن يستمر الاقتصاد في النمو إذا كان يعتمد على عمل ضروري لكنه غير مقدر بشكل عادل؟
ولهذا ترى فريزر أن أزمة الرعاية ليست قضية اجتماعية منفصلة، بل هي جزء من أزمة أعمق في طريقة تنظيم الرأسمالية للحياة نفسها.
نقد النيوليبرالية التقدمية
في تحليلها للتطورات السياسية خلال العقود الأخيرة، قدمت فريزر مفهومًا أثار نقاشًا واسعًا، وهو مفهوم النيوليبرالية التقدمية.
وهي تقصد به حالة جمعت بين سياسات اقتصادية تقوم على تحرير الأسواق وتقليل دور الدولة، وبين بعض الخطابات الاجتماعية التي ركزت على قضايا التمثيل والحقوق الفردية.
وترى فريزر أن المشكلة لم تكن في قضايا المساواة الثقافية أو الحقوق الاجتماعية في حد ذاتها، بل في الطريقة التي جرى بها أحيانًا فصل هذه القضايا عن الأسئلة الاقتصادية الكبرى.
فقد أصبح من الممكن، حسب تحليلها، أن تتبنى بعض المؤسسات خطابًا حول التنوع أو التمثيل، بينما تستمر في الوقت نفسه سياسات تزيد من عدم المساواة الاقتصادية.
ومن هنا كانت دعوتها إلى عدم الفصل بين العدالة الاجتماعية والعدالة الاقتصادية، لأن أي مشروع يسعى إلى تحسين المجتمع لا يمكن أن يكتفي بتغيير الخطاب الثقافي أو الرموز، بينما تظل علاقات القوة الاقتصادية كما هي.
الرأسمالية كأزمة شاملة
في أعمالها الأخيرة، خاصة كتابها الرأسمالية المفترسة، ذهبت فريزر إلى طرح رؤية أكثر شمولًا للرأسمالية.
فهي ترى أن النظام الرأسمالي لا ينتج أزمات اقتصادية فقط، بل ينتج مجموعة من الأزمات المترابطة:
أزمة اقتصادية بسبب التفاوت وتركيز الثروة.
أزمة سياسية بسبب ضعف المشاركة الديمقراطية وتأثير القوى الاقتصادية الكبرى.
أزمة اجتماعية بسبب تراجع أنظمة الرعاية والحماية.
أزمة بيئية بسبب الضغط المستمر على الطبيعة والموارد.
وبحسب فريزر، فإن هذه الأزمات ليست مشكلات منفصلة، بل مرتبطة بطريقة عمل النظام نفسه، الذي يسعى باستمرار إلى توسيع مجالات الربح حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الشروط التي يعتمد عليها.
النسوية ونقد الرأسمالية
كان للنسوية مكانة مهمة في مشروع فريزر الفكري، لكنها لم تتعامل معها باعتبارها قضية منفصلة عن الاقتصاد والسياسة.
فهي ترى أن تاريخ الرأسمالية ارتبط دائمًا بتقسيمات معينة للعمل، حيث تم اعتبار بعض أشكال العمل أقل قيمة لأنها لم تكن مرتبطة مباشرة بالسوق.
ولهذا ركزت على أهمية الاعتراف بالعمل المنزلي وأعمال الرعاية، ليس فقط من أجل تقدير دور النساء، بل من أجل فهم الطريقة التي يعتمد بها الاقتصاد كله على أعمال لا تُحسب غالبًا ضمن الإنتاج الرسمي.
وفي هذا السياق تختلف فريزر عن بعض القراءات التي ترى أن تحقيق المساواة يعني فقط فتح الأبواب أمام النساء للوصول إلى المناصب نفسها التي يصل إليها الرجال داخل النظام القائم.
فهي تطرح سؤالًا أعمق: هل يكفي إدخال المزيد من الأفراد إلى نظام غير عادل، أم أن المطلوب هو إعادة التفكير في النظام نفسه؟ الديمقراطية ومستقبل العدالة والعدالة الاجتماعية.
ترى فريزر أن أحد أكبر تحديات العصر الحديث هو العلاقة بين الاقتصاد والديمقراطية.
فحتى لو كانت المجتمعات تمتلك مؤسسات انتخابية، فإن تركيز القوة الاقتصادية في أيدي عدد محدود من الشركات والمؤسسات المالية يمكن أن يؤثر في قدرة المواطنين على تحديد مستقبلهم.
ولهذا تؤكد أن العدالة لا يمكن أن تكتمل دون مشاركة ديمقراطية حقيقية في القرارات التي تحدد حياة الناس.
فالقضايا المتعلقة بالعمل، والتعليم، والصحة، والبيئة، واستخدام الموارد، ليست قضايا تقنية فقط، بل هي اختيارات اجتماعية وسياسية يجب أن يكون للمجتمع دور في تحديدها.
ما الذي يميز مشروع نانسي فريزر؟
تكمن أهمية نانسي فريزر في أنها حاولت بناء جسر بين تقاليد فكرية مختلفة.
فهي استفادت من ماركس في تحليل الرأسمالية والطبقات، واستفادت من النظرية النقدية في تحليل الثقافة والسياسة، وأضافت اهتمامًا خاصًا بقضايا النسوية والبيئة والرعاية الاجتماعية.
ولذلك فإن مشروعها لا يقوم على استبدال قضية بقضية أخرى، بل على رؤية العدالة باعتبارها شبكة مترابطة.
فالعدالة الاقتصادية دون اعتراف اجتماعي قد تظل ناقصة، والاعتراف الثقافي دون تغيير اقتصادي قد يصبح مجرد تحسين شكلي لا يمس جذور المشكلة.
تمثل نانسي فريزر واحدة من أهم الأصوات التي حاولت إعادة صياغة أسئلة اليسار في القرن الحادي والعشرين. فهي لم تكتفِ بالسؤال التقليدي حول توزيع الثروة، بل وسعت النقاش ليشمل أسئلة أوسع حول الاعتراف والمشاركة والرعاية والطبيعة والديمقراطية.
وربما تكمن قوة مشروعها في أنها أعادت طرح سؤال العدالة بطريقة تناسب عالمًا تغير كثيرًا عن عالم القرن التاسع عشر.
فلم يعد السؤال فقط:
من يملك وسائل الإنتاج؟
بل أصبح أيضًا:
من يشارك في اتخاذ القرار؟
ومن يحصل على الاعتراف؟
ومن يتحمل تكلفة استمرار المجتمع؟
وهل يمكن بناء اقتصاد أكثر عدلًا دون إعادة النظر في الطريقة التي ننظم بها حياتنا الاجتماعية والسياسية؟
ولهذا تبقى أفكار نانسي فريزر محاولة جادة لفهم أزمات الرأسمالية المعاصرة، ليس من خلال رفض التقدم أو العودة إلى الماضي، بل من خلال البحث عن مجتمع يجمع بين الحرية والمساواة والاعتراف والعدالة الاجتماعية.
