أخبارعاجلنحن والغرب

بوتين في بكين بعد ترامب.. رسائل سياسية تعيد تشكيل النظام العالمي

كتب : سمير سليم 

زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الصين بعد أقل من أسبوع على أول زيارة يقوم بها دونالد ترامب إلى الصين منذ تسع سنوات، وقد جاءت زيارة بوتين بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لمعاهدة حسن الجوار الروسية الصينية. ومن المثير للاهتمام على الأقل مقارنة الزيارتين ببعضهما البعض.

 انتهت زيارة ترامب إلى الصين دون نتائج كبيرة لافتة؛ إذ لم يُعلن في ختامها عن أي اتفاق أو تفاهم مهم. وعلى وجه الخصوص، لم يتمكن الطرفان من التوصل إلى تسوية بشأن قضية تايوان، أما فيما يتعلق بإيران فقد اقتصر الأمر على تصريحات عامة مفادها أن الجانبين يعتبران امتلاك إيران للسلاح النووي أمرًا غير مقبول، رغم أن إيران نفسها، بالمناسبة، لا تسعى لذلك على الأقل منذ عام 2015.

أما بالنسبة لزيارة بوتين، فكانت أبرز نتائجها توقيع ما يسمى بـ«إعلان إقامة عالم متعدد الأقطاب». ولم يُنشر النص الكامل للوثيقة التي تقع في 47 صفحة بعد، لكن مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، أوضح أن الإعلان يتضمن رؤية مشتركة للأجندة الدولية والاتجاهات الرئيسية لتطور العلاقات الروسية الصينية. وعلى وجه الخصوص، تعارض روسيا والصين بناء النظام الجيوسياسي العالمي حول مركز قوة واحد، والمقصود به الولايات المتحدة حاليًا، وتدعوان بدلًا من ذلك إلى نظام عالمي يقوم على توازن مصالح عدة قوى كبرى، من بينها الولايات المتحدة وروسيا والصين والهند وغيرها. كما تتضمن الوثيقة انتقادًا لما يسمى «القوانين ذات الطابع العابر للحدود»، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإدانة سياسة العقوبات الاقتصادية الأحادية. كذلك تشير الوثيقة، بحسب ما أُعلن، إلى ضرورة إصلاح الأمم المتحدة وتعزيز دور مجموعة بريكس ومنظمة شنغهاي للتعاون.

وبالتوازي مع الإعلان، تم توقيع وثيقة مهمة أخرى، وهي اتفاقية لتعزيز الشراكة الشاملة والتعاون الاستراتيجي.

كما ناقش الطرفان خلال اللقاء قضايا أخرى مهمة، وتم التوصل بشأن العديد منها إلى اتفاقات ملموسة، مثل اتفاق بناء خط سكة حديد ثانٍ بشكل مشترك في مقطع زابايكالسك–مانتشوريا. كذلك تم إطلاق مشروع «سنوات التعليم الروسية الصينية» للفترة 2026–2027، والذي يشمل تبادل الطلاب بين جامعات البلدين، إضافة إلى برامج تعليمية وثقافية مشتركة.

وإذا قارنا بين الزيارتين، فإن لقاءات ترامب مع شي جين بينغ بدت بوضوح أقرب إلى «مفاوضات ساخنة» بين دولتين متعاديتين تحاولان إيجاد نقاط تفاهم لتجنب مزيد من التصعيد، ويبدو أن هذه المفاوضات لم تكن مثمرة إلى حد كبير. أما لقاء شي وبوتين فقد بدا أشبه باجتماع بين حليفين يخططان لتحركات مشتركة ويناقشان النقاط الخلافية المتبقية بينهما.

ولا ينبغي الاعتقاد بأن الأجواء كانت مثالية تمامًا؛ إذ يبدو أن روسيا والصين لم تتمكنا من التوصل إلى اتفاق بشأن مشروع خط أنابيب الغاز «قوة سيبيريا». فكلا الطرفين يبدي اهتمامًا بالمشروع، لكنهما لم يتفقا بعد على تفاصيله. فروسيا تريد تضمين الاتفاق التزامًا من الصين بشراء نحو 50 مليار متر مكعب من الغاز سنويًا، بينما تحاول الصين تجنب التزامات واضحة بهذا الشكل، حفاظًا على حريتها الاستراتيجية في اختيار موردي الطاقة. ومن جهتها، تسعى بكين للحصول على أسعار غاز تفضيلية قريبة من الأسعار المحلية الروسية، في حين تميل موسكو إلى ربط الأسعار بالسوق العالمية، ربما مع بعض الخصومات.

وهكذا، لا يمكن القول إن روسيا والصين لم يعد بينهما أي خلافات، لكن الدولتين تواصلان عمومًا التمسك بمسارهما نحو شراكة استراتيجية.

ولا يمكن لهذا الأمر إلا أن يثير قلق الولايات المتحدة؛ فليس من قبيل المصادفة أنه بعد عودة بوتين من الصين، ظهرت معلومات عن زيارة مرتقبة إلى موسكو لمبعوثي ترامب ويتكوف وكوشنر. أما ما الذي قد يُناقش خلال هذه الزيارة، وكيف يمكن أن ترتبط بزيارتي ترامب وبوتين إلى الصين، فهذا ما سيتم التعرف عليه في الايام القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى