أخبارعاجلمقالات

التطبيع الوظيفى العميق

معتز منصور / كاتب وباحث سياسي

بعد تعليق رحلات شركات الطيران الإسرائيلية مثل El Al وArkia إلى الإمارات حتى أيلول/سبتمبر القادم، كشفت صحيفة Calcalist العبرية أن شركات الطيران الإماراتية بدأت فعليًا بملء الفراغ في السوق الإسرائيلية. ووفق التقرير، سترفع Etihad Airways عدد رحلاتها الأسبوعية إلى “إسرائيل” إلى 42 رحلة أسبوعيًا ابتداءً من 15 حزيران/يونيو، فيما تبحث Flydubai تشغيل رحلات إلى أوروبا انطلاقًا من مطار رامون الإسرائيلي، بالتزامن مع تحول أبوظبي إلى مركز عبور رئيسي للإسرائيليين نحو آسيا بعد تراجع نشاط شركات الطيران الأجنبية في “إسرائيل”.

ما تكشفه هذه المعطيات يتجاوز مجرد خبر اقتصادي أو ترتيبات طيران مدنية، لأن المسألة هنا ترتبط ببنية أعمق تتشكل منذ اتفاقات أبراهام، حيث لم تعد بعض العواصم الخليجية تتعامل مع الكيان باعتباره كيانًا جار التطبيع معه فقط، بل باعتباره جزءًا من شبكة وظيفية إقليمية يجري دمجها تدريجيًا في البنية اللوجستية والاقتصادية والأمنية للمنطقة.

اللافت هنا أن الحديث يأتي في لحظة تعاني فيها “إسرائيل” من اهتزازات أمنية واقتصادية وضغط على قطاع الطيران نتيجة الحرب والتوترات الإقليمية، أي أن الدور الإماراتي لا يظهر في ظرف استقرار طبيعي، بل في لحظة أزمة وحاجة إسرائيلية فعلية. وهنا تتغير دلالة المشهد بالكامل. فحين تنسحب شركات أجنبية أو تتراجع حركة الطيران بسبب المخاطر، ثم تتقدم شركات خليجية لملء الفراغ وتشغيل الممرات البديلة وتحويل أبوظبي إلى عقدة عبور للإسرائيليين نحو آسيا وأوروبا، فنحن أمام انتقال من مستوى “التطبيع” إلى مستوى “الإسناد البنيوي”.

الأعمق من ذلك أن هذا النموذج يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة بهدوء. إسرائيل التي كانت تاريخيًا كيانًا معزولًا نسبيًا في محيط معادٍ، يجري اليوم ربطها بخطوط نقل وطاقة واستثمار وموانئ وممرات جوية تجعل أي اهتزاز يصيبها يمس تلقائيًا مصالح قوى عربية وإقليمية أصبحت شريكة في استقرارها الوظيفي. هذه هي النقلة الأخطر في اتفاقات أبراهام، ليس السلام الرمزي، بل صناعة تشابك مصالح يجعل حماية استقرار إسرائيل جزءًا من حماية منظومة اقتصادية إقليمية كاملة.

وفي المقابل، تكشف هذه الوقائع حجم التحول في أولويات بعض الأنظمة العربية. فبينما كانت القضية الفلسطينية تاريخيًا معيارًا يحدد طبيعة العلاقة مع الاحتلال، أصبحت الأولوية لدى هذه الأنظمة مرتبطة بالاندماج في المنظومة الأمريكية الإقليمية، حتى لو استلزم ذلك لعب دور تعويضي مباشر أثناء الأزمات التي تضرب إسرائيل نفسها.

لكن هنا توجد زاوية غالبًا ما تُهمل. هذا النوع من الاندماج يحمل أيضًا مخاطر استراتيجية على الدول المنخرطة فيه. لأن تحويل البنية الخليجية إلى امتداد وظيفي للشبكات الإسرائيلية يجعلها تدريجيًا جزءًا من الصراع نفسه، اقتصاديًا وأمنيًا واستخباراتيًا. أي أن محاولة التموضع كـ”مركز عبور محايد” قد لا تبقى ممكنة طويلًا في بيئة إقليمية تتجه أكثر نحو الاستقطاب والمواجهة المفتوحة.

ولهذا، فالقصة ليست زيادة رحلات جوية فقط، بل إعادة رسم خرائط الاعتماد المتبادل في الشرق الأوسط، حيث تتحول بعض العواصم العربية من فضاء منفصل عن الكيان إلى رئة لوجستية واقتصادية تساعده على امتصاص آثار العزلة والضغط والحرب

زر الذهاب إلى الأعلى