روسيا تعيد ضبط بوصلتها الاقتصادية.. موسكو تنتقل من “اقتصاد الطوارئ” إلى الانضباط المالي

كتب/ سمير سليم
كشف أنطون سيلوانوف، وزير المالية الروسى في مقابلة مطولة، عن ملامح المرحلة الجديدة التي تستعد روسيا للدخول إليها اقتصاديًا، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا ممتدة بفعل العقوبات الغربية والتوترات الجيوسياسية واستمرار الإنفاق المرتفع المرتبط بالحرب وإعادة هيكلة الاقتصاد.
وجاءت تصريحات سيلوانوف بمثابة إعلان غير مباشر عن اقتراب نهاية مرحلة “الإنفاق الاستثنائي” التي طبعت السياسة المالية الروسية خلال السنوات الأخيرة، مع اتجاه واضح نحو إعادة فرض قدر أكبر من الانضباط المالي والتحفظ في إدارة الميزانية.
وخلال السنوات الماضية، اضطرت الحكومة الروسية إلى تبني سياسات إنفاق واسعة لمواجهة تداعيات جائحة كورونا، ثم التعامل مع العقوبات الغربية غير المسبوقة، إلى جانب إعادة تنظيم سلاسل الإمداد، وزيادة النفقات العسكرية، وتسريع برامج إحلال الواردات وتقوية الإنتاج المحلي.
واعتمدت موسكو خلال تلك المرحلة على أدوات متعددة، أبرزها السحب من الاحتياطات المالية، وإعادة تعديل الميزانية بشكل مستمر وفق تطورات الأوضاع الاقتصادية والسياسية. إلا أن تصريحات وزير المالية أظهرت بوضوح إدراك السلطات الروسية أن هذا النموذج لا يمكن استمراره لفترة طويلة دون ضغوط متزايدة على الاستقرار المالي للدولة.
وركّز سيلوانوف بشكل لافت على ضرورة بناء “هامش أمان” جديد للاقتصاد الروسي، في إشارة إلى سعي الحكومة لإعادة تكوين احتياطيات مالية وتقليل الاعتماد على سياسات الإنفاق الطارئ.
ورغم ذلك، حملت المقابلة نبرة تفاؤل حذرة، إذ ترى وزارة المالية الروسية أن الاقتصاد بات أقل اعتمادًا على قطاع النفط مقارنة بالماضي، مع ارتفاع مساهمة قطاعات أخرى مثل الصناعة والزراعة والاقتصاد الرقمي في دعم الإيرادات العامة والنشاط الاقتصادي.
كما تحدث الوزير الروسي عن زيادة “شفافية” الاقتصاد وخروج جزء من الأنشطة من الاقتصاد الموازي، خاصة مع تشديد الرقابة الضريبية وتوسيع القاعدة الضريبية، وهو ما تعتبره السلطات عاملًا مهمًا في ظل المرحلة الحالية التي أصبحت فيها كل الإيرادات الإضافية ذات أهمية كبيرة.
ويبدو أن الرؤية الاقتصادية الجديدة لموسكو تقوم على أولوية مختلفة عما كان مطروحًا في السنوات السابقة؛ فبدلًا من السعي لتحقيق معدلات نمو مرتفعة بأي تكلفة، أصبح الهدف الأساسي هو الحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي وضمان قدرته على الصمود أمام الضغوط الخارجية طويلة المدى.
وفي ظل استمرار العقوبات الغربية وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، تعكس تصريحات سيلوانوف توجهًا روسيًا متزايدًا نحو إدارة أكثر حذرًا للاقتصاد، تقوم على تقليل المخاطر، وضبط الإنفاق، وتعزيز قدرة الدولة على التعامل مع أزمات ممتدة قد تستمر لسنوات.
