
كتب: سمير سليم
دخلت العلاقات الروسية الأمريكية مرحلة جديدة من التوتر الاستراتيجي، بعد إعلان نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف أن موسكو لا تجري أي حوار مع الولايات المتحدة بشأن استئناف معاهدة الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية «ستارت»، كما أنها لا تنوي المبادرة بفتح مثل هذا الحوار في الوقت الحالي.
التصريحات الروسية جاءت لتعكس حجم التباعد المتزايد بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم، في وقت تتراجع فيه منظومة الحد من التسلح التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر الاستقرار الدولي منذ نهاية الحرب الباردة.
رفض أمريكي وموقف روسي متشدد
بحسب ريابكوف، فإن روسيا اقترحت أكثر من مرة على واشنطن الالتزام طوعًا بعدم تجاوز الحدود التي كانت منصوصًا عليها في اتفاقية «ستارت-3» حتى بعد انتهاء العمل بها، إلا أن الولايات المتحدة رفضت هذا المقترح.
وأشار المسؤول الروسي إلى أن موسكو لم تعد ترى جدوى من إعادة طرح ملف الردع النووي أو الدخول في مفاوضات جديدة طالما استمرت واشنطن في تبني شروط تعتبرها روسيا غير مقبولة.
ويبدو أن الكرملين يسعى من خلال هذا الموقف إلى تحميل الإدارة الأمريكية مسؤولية انهيار مسار الحد من التسلح، خاصة مع تراجع الثقة السياسية والعسكرية بين الطرفين منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا.
عقدة الصين
أحد أبرز أسباب تعثر أي اتفاق جديد يتمثل في إصرار الولايات المتحدة على إشراك الصين في أي معاهدة مستقبلية للحد من الأسلحة النووية.
واشنطن ترى أن أي اتفاق جديد يفقد قيمته إذا اقتصر على روسيا والولايات المتحدة فقط، في ظل الصعود العسكري والنووي المتسارع للصين، بينما تعتبر موسكو أن هذا الشرط يعرقل المفاوضات ويجعل التوصل إلى اتفاق شبه مستحيل في الظروف الحالية.
أما بكين، فكانت قد رفضت مرارًا الانضمام إلى مفاوضات ثلاثية، مؤكدة أن ترسانتها النووية ما زالت أقل بكثير من الترسانتين الروسية والأمريكية.
نهاية مرحلة الاستقرار النووي؟
تمثل اتفاقية «ستارت الجديدة» آخر معاهدة رئيسية متبقية بين موسكو وواشنطن للحد من الأسلحة النووية الاستراتيجية، بعد انهيار عدد من الاتفاقيات السابقة خلال السنوات الأخيرة، مثل معاهدة الصواريخ النووية المتوسطة.
ومع توقف الحوار الحالي، تتزايد المخاوف الدولية من دخول العالم مرحلة جديدة من سباق التسلح النووي، خاصة في ظل التوترات المتصاعدة بين القوى الكبرى، وتراجع آليات الرقابة والشفافية العسكرية.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا الجمود قد يدفع القوى النووية الكبرى إلى توسيع ترساناتها بشكل تدريجي، ما يعيد العالم إلى أجواء تشبه إلى حد كبير حقبة الحرب الباردة، ولكن في بيئة دولية أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للضبط.
توازن الردع تحت الضغط
ورغم أن موسكو وواشنطن ما زالتا تمتلكان قنوات اتصال عسكرية محدودة لتجنب الصدام المباشر، فإن غياب أي مفاوضات فعلية حول مستقبل الأسلحة الاستراتيجية يعكس تراجعًا خطيرًا في منظومة الردع المتبادل التي حافظت لعقود على التوازن النووي العالمي.
وفي ظل غياب الثقة السياسية، وتوسع المواجهة الجيوسياسية بين الشرق والغرب، يبدو أن ملف الحد من التسلح النووي أصبح واحدًا من أكثر الملفات تعقيدًا في النظام الدولي الحالي.
