إبداعات عربيةعاجلمقالات

اليسار الروسي إلى أين؟ بين الدولة والمعارضة والبحث عن هوية جديدة – الجزء الخامس

بقلم : سمير سليم

بعد استعراض خريطة اليسار الروسي عبر تياراته المختلفة، من الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي، إلى الحركات الاحتجاجية، مرورًا بالتيارات الاشتراكية الديمقراطية واليسار ذي النزعة السوفيتية، يبرز سؤال يبدو أكثر أهمية من غيره: إلى أين يتجه اليسار الروسي اليوم؟

الإجابة ليست سهلة، لأن اليسار في روسيا لا يتحرك في فراغ، بل داخل دولة قوية ذات مؤسسات مركزية، ومجتمع شهد خلال العقود الثلاثة الماضية تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة، ونظام سياسي يضع إطارًا خاصًا لعمل الأحزاب والمعارضة.

ولفهم هذا المشهد، لا بد من العودة إلى نقطة التحول الكبرى عام 1991. فبانهيار الاتحاد السوفيتي، لم يفقد الحزب الشيوعي السلطة فقط، بل انهارت أيضًا المنظومة الاقتصادية والاجتماعية التي حكمت البلاد لعقود. وانتقلت روسيا إلى اقتصاد السوق والخصخصة، وهي عملية صاحبتها أزمات اقتصادية حادة، وتراجع في مستويات المعيشة، وظهور طبقة من كبار رجال الأعمال، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

في تلك المرحلة وجد اليسار نفسه أمام تحدٍ تاريخي: هل يتمسك بالنموذج السوفيتي كما كان؟ أم يعيد صياغة مشروعه ليتناسب مع روسيا الجديدة؟ وحتى اليوم، لم تتفق قوى اليسار على إجابة واحدة، وهو ما انعكس في تعدد الأحزاب والحركات واختلاف برامجها السياسية.

ومع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، استعادت الدولة الروسية قدرًا كبيرًا من الاستقرار السياسي والاقتصادي مقارنة بفوضى التسعينيات، لكن ذلك ترافق أيضًا مع إعادة تنظيم المجال السياسي، فأصبحت الأحزاب، بما فيها أحزاب اليسار، تعمل في بيئة تختلف كثيرًا عن مرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

ومن هنا، فإن مستقبل اليسار الروسي لا يرتبط فقط بقوة الأحزاب، بل أيضًا بطبيعة الدولة الروسية، والتحولات الاجتماعية، والظروف الاقتصادية، والمتغيرات الدولية التي تؤثر في روسيا منذ سنوات.

أولًا: مشهد مشتت أكثر منه موحد

لم يعد اليسار الروسي يمثل كتلة سياسية واحدة كما كان في الحقبة السوفيتية، بل أصبح مجموعة من التيارات التي تختلف في رؤيتها للماضي والمستقبل، وفي أساليب عملها وأولوياتها.

ويمكن تقسيم هذا المشهد إلى أربعة اتجاهات رئيسية:

• اليسار التقليدي الذي يتمحور حول الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي، ويستند إلى قاعدة انتخابية مستقرة نسبيًا، مع الحفاظ على جزء كبير من الخطاب السوفيتي.

• اليسار الاحتجاجي الذي تمثله حركات مثل “الجبهة اليسارية” (Left Front)، ويركز على النشاط الجماهيري والاحتجاجات أكثر من المشاركة البرلمانية.

• اليسار الاشتراكي الديمقراطي الذي يسعى إلى تطوير خطاب يجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، مع الابتعاد عن استعادة النموذج السوفيتي بصورته التقليدية.

• الحنين السوفيتي الشعبي، وهو تيار اجتماعي واسع لا يمثل تنظيمًا سياسيًا موحدًا، لكنه يعكس رغبة قطاع من الروس في استعادة بعض مظاهر الاستقرار والعدالة الاجتماعية التي ارتبطت في الذاكرة الشعبية بالاتحاد السوفيتي.

هذا التنوع يعكس حيوية المشهد من ناحية، لكنه في الوقت نفسه يجعل من الصعب بلورة مشروع يساري موحد قادر على منافسة القوى السياسية الأخرى.

ثانيًا: الدولة واليسار… علاقة معقدة

لفهم مستقبل اليسار الروسي، لا بد من فهم طبيعة الدولة الروسية نفسها.

فالدولة الحالية تتسم بدرجة عالية من المركزية، وتملك حضورًا قويًا في إدارة المجال السياسي، بينما تعمل الأحزاب ضمن إطار قانوني وتنظيمي يفرض قيودًا على النشاط السياسي بدرجات متفاوتة.

وفي الوقت نفسه، تتبنى الدولة عددًا من السياسات ذات الطابع الاجتماعي، مثل دعم بعض الخدمات العامة والإنفاق الاجتماعي، وهو ما يجعل بعض القضايا التقليدية التي يرفعها اليسار جزءًا من الخطاب الرسمي، وإن كان ذلك من منظور مختلف.

لذلك يجد اليسار نفسه أمام معادلة معقدة: فهناك من يفضل العمل داخل المؤسسات القائمة، بينما يرى آخرون أن هذا المسار يحد من قدرة اليسار على لعب دور معارض مستقل.

ثالثًا: أزمة المشروع البديل

ربما لا تكمن المشكلة الأساسية لليسار الروسي في ضعف التنظيم فقط، بل في غياب مشروع اقتصادي واجتماعي متفق عليه.

فالخلافات لا تدور حول التفاصيل، وإنما حول الأسئلة الكبرى:

• هل يمكن التوفيق بين اقتصاد السوق والعدالة الاجتماعية؟

• هل يصلح النموذج السوفيتي ليكون أساسًا للمستقبل، أم أنه أصبح جزءًا من التاريخ؟

• هل يحتاج اليسار الروسي إلى مشروع اشتراكي جديد يختلف عن التجربة السوفيتية وعن الليبرالية الغربية في الوقت نفسه؟

حتى الآن، لا توجد إجابة موحدة، وهو ما ينعكس على برامج الأحزاب وخطاباتها.

رابعًا: تأثير الحرب والعقوبات

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022، دخل اليسار الروسي مرحلة أكثر تعقيدًا

[14:51، 2026/7/13] فلم يعد الانقسام يدور حول الاقتصاد والعدالة الاجتماعية فقط، بل امتد إلى قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي.

فبعض القوى اليسارية ترى أن مواجهة الضغوط الغربية تمثل أولوية وطنية، بينما تبدي قوى أخرى مواقف أكثر انتقادًا للحرب أو تدعو إلى تسوية سياسية، في حين تفضل بعض التنظيمات التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية دون الانخراط المباشر في هذا الجدل.

كما فرضت العقوبات الغربية تحديات اقتصادية جديدة، أعادت قضايا الإنتاج الوطني، ودور الدولة في الاقتصاد، والسيادة الاقتصادية إلى صدارة النقاش داخل مختلف التيارات اليسارية.

خامسًا: ثلاثة مسارات محتملة

يمكن تصور مستقبل اليسار الروسي عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

الأول: استمرار الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي بوصفه القوة اليسارية الأكبر، مع الحفاظ على موقعه كأحد أهم أحزاب المعارضة البرلمانية، دون حدوث تغيرات فكرية أو تنظيمية جوهرية.

الثاني: نمو تيارات يسارية إصلاحية تقدم خطابًا أكثر حداثة، يجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية، لكن نجاحها سيظل مرتبطًا بمدى اتساع المجال السياسي وقدرتها على بناء قواعد شعبية.

الثالث: استمرار حالة التشتت فلم يعد الانقسام يدور حول الاقتصاد والعدالة الاجتماعية فقط، بل امتد إلى قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي.

فبعض القوى اليسارية ترى أن مواجهة الضغوط الغربية تمثل أولوية وطنية، بينما تبدي قوى أخرى مواقف أكثر انتقادًا للحرب أو تدعو إلى تسوية سياسية، في حين تفضل بعض التنظيمات التركيز على القضايا الاجتماعية والاقتصادية دون الانخراط المباشر في هذا الجدل.

كما فرضت العقوبات الغربية تحديات اقتصادية جديدة، أعادت قضايا الإنتاج الوطني، ودور الدولة في الاقتصاد، والسيادة الاقتصادية إلى صدارة النقاش داخل مختلف التيارات اليسارية.

سادسًا: المجتمع هو العامل الحاسم

يبقى مستقبل اليسار الروسي مرتبطًا، في النهاية، بما يطرأ على المجتمع الروسي نفسه.

فإذا اتسعت الفجوة الاجتماعية، أو ظهرت تحديات اقتصادية جديدة، فقد يزداد الطلب على برامج تركز على العدالة الاجتماعية ودور الدولة في الاقتصاد.

أما إذا استمر الاستقرار النسبي، فقد يظل اليسار قوة سياسية مهمة، لكن دون أن يحقق اختراقًا كبيرًا في موازين القوى.

كما يبقى السؤال مطروحًا حول الحنين إلى الاتحاد السوفيتي: هل سيظل قوة سياسية فاعلة، أم سيتحول تدريجيًا إلى ظاهرة ثقافية وذاكرة تاريخية مع تغير الأجيال؟

اليسار الروسي وأزمة اليسار العالمي

ولا يمكن عزل ما يمر به اليسار الروسي عن الأزمة التي تواجهها معظم قوى اليسار في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

فأحزاب يسارية عديدة، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو غيرهما، وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف هويتها بعد تراجع النموذج الاشتراكي التقليدي، وصعود العولمة والنيوليبرالية، وتغير طبيعة سوق العمل، وظهور قضايا جديدة مثل التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والبيئة والهجرة.

ومن هذه الزاوية، تبدو أزمة اليسار الروسي جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بقدرة اليسار المعاصر على صياغة مشروع يجمع بين العدالة الاجتماعية والكفاءة الاقتصادية والاستجابة للتحديات الجديدة.

اليسار الروسي ليس قصة حزب واحد، ولا يمكن اختزاله في شخصية سياسية أو تنظيم بعينه، بل هو انعكاس للتحولات التي شهدتها روسيا منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وحتى اليوم.

فهو يقف عند تقاطع ثلاثة إرثات كبرى: إرث الثورة البلشفية، وإرث الدولة السوفيتية، وإرث الاقتصاد الرأسمالي الذي تشكل بعد عام 1991.

ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل سيعود اليسار الروسي إلى السلطة؟ بل أصبح: هل سينجح في إنتاج مشروع سياسي واجتماعي جديد يستجيب لتحديات روسيا المعاصرة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحددها الأحزاب وحدها، بل ستحددها التحولات الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وقدرة اليسار نفسه على تجاوز انقساماته، وصياغة رؤية تجمع بين دروس الماضي ومتطلبات المستقبل.

وبذلك يبقى اليسار الروسي تجربة سياسية مفتوحة على احتمالات متعددة، تعكس في جوهرها رحلة روسيا نفسها في البحث عن توازن بين الدولة والسوق، وبين العدالة الاجتماعية ومتطلبات التنمية، وبين إرث التاريخ وتحديات القرن الحادي والعشرين.

زر الذهاب إلى الأعلى