متنوعات

الذكرى المئويه للمستعربة فرالوفا 

بقلم: وضاح الجندي – مدير مركز التعاون الروسي العربي

عُقد في مدينة بطرسبورغ الروسية مؤتمر علمي دولي مكرّس للذكرى المئوية لميلاد عالمة الاستشراق البارزة أولجا فرولوفا.

وبحسب ما قاله البروفيسور أوليغ ريدكين، منسّق المؤتمر ورئيس قسم اللغة العربية في كلية الاستشراق في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، فقد بدأ التحضير للمؤتمر في يونيو/حزيران.

و شارك في المؤتمر علماء و دبلوماسيون ورجال دين, و ممثلون عن منظمات و جاليات عربية. 

طفولة الحصار وميدالية الصمود

وُلدت أولغا بوريسوفنا فرولوفا في 29 يونيو/حزيران 1926 في بتروزافودسك في شمال روسيا، لكنها انتقلت في طفولتها المبكرة إلى لينينجراد (بطرسبورغ)، التي ارتبطت بها حياتها كلها. 

كان عمرها خمسة عشر عاما عندما بدأت الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية)، و حصار لينينجراد الذي،عاشت اهواله و هي تلميذة في المدرسه، فشاركت في بناء خطوط الدفاع، و في الأعمال الزراعية، وساعدت في ترميم المنازل المدمّرة، واعتنَت بالجرحى في المستشفى.

وفي عام 1942، وهي في السادسة عشرة، مُنحت ميدالية «الدفاع عن لينينجراد» تقديراً لشجاعتها وتفانيها.

وىقد نالت في حياتها العديد من الميداليات و الأوسمة و التقديرات و لكن كان لهذه الميدالية قيمة خاصة. 

وقد حددت هذه التجربة المبكرة القاسية في الصمود و الصبر الكثير من ملامح شخصيتها — شخصية متفانية لا تلين، لكنها لطيفة إلى حد مدهش.

البيت الأم — كلية الدراسات الشرقية 

تُعتبر بطرسبرغ مهد الاستشراق الروسي. و غلى مدى عقود كانت كلية الدراسات الشرقية في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية اهم مركز للدراسات العربية وعمل فيها علماء مستعربين حازوا على شهرة عالمية، و يُنظر إلى تراثهم باحترام عميق.

وتحتل أولغا فرولوفا مكانة خاصة بين هؤلاء: فقد ترأست أكثر من عقدين قسم اللغة العربية، و ساهمت إلى حد كبير في تطوّر مسار الدراسات العربية في الاتحاد السوفيتي و روسيا، و خرجت اجيالا من الطلبة و علماء بارزين.

المرحلة المصرية: جسر بين الثقافات

لعبت مصر دورا كبيرا في مسيرة فرالوفا، و كذلك سمحت لها بلعب دور كبير ليس فقط في مجال الاستشراق، بل في مجال تدريس اللغة الروسية، لتظهر لنا فرالوفا عالمة اللغة الروسية و في عام 1958 يعهد إليها برئاسة قسم اللغة الروسية وآدابها في جامعة عين شمس التي أُنشئت حديثاً، و لتسهم في إعداد الكوادر ونشر اللغة الروسية.

وقد رسخت هذه التجربة الأساس لارتباطها العميق بالثقافة المصرية، وبعد عودتها، افتتحت في كلية الدراسات الشرقية أول مقرر في دراسة اللهجة المصرية — وهو اتجاه مبتكر في ذلك الوقت.

. علماء من ذوي الأسماء العالمية يجتمعون في ذكراها

جمع المؤتمر أولئك الذين لم تكن فرولوفا بالنسبة لهم مجرد زميلة، بل معلّمة وصديقة.

فقد افتُتحت الجلسة العامة بكلمة ترحيبية من أحد اشهر تلاميذها — الأكاديمي ميخائيل بيوتروفسكي، عميد كلية الدراسات الشرقية في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية، و عدا عن كونه عالم و مستعرب معروف ، هو أيضاً مدير متحف الإرميتاج الشهير.

وقال عن فرالوفا: «لقد كانت قادرة على أن تقول وتفهم وتشرح. وهي القدرة على التواصل مع العالم الذي تدرسه، والقدرة على أن تكون صديقاً حقيقياً».

و قدم المحاضرون مداخلات علمية عميقة، كما تناولوا ذكريات دافئة جمعتهم مع فرالوفا.

فقد تذكّر فضيلة الشيخ بانشيف (رئيس الإدارة الدينية لمسلمي سانت بطرسبرغ و شمال غرب روسيا)، وهو من خريجي كلية الدراسات الشرقية، كيف كان هو و فرالوفا يلتقيان بحكم إنهم جيران في حي بيتروغرادسكايا و يسيران معاً باتجاه الجامعة. وقد تحدث في مداخلته عن دورها في دراسة التراث العربي الإسلامي.

وقدّم البروفيسور أليكبير أليكبيروف، مدير معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الروسية للعلوم (موسكو) ورقة عن إعادة البناء الرقمي والتعرف الضوئي والترجمة الآلية للمخطوطات العربية — وهو موضوع يواصل مباشرة الأعمال الرائدة لأولغا فرولوفا نفسها. ففي عام 1958 نشرت واحدة من أوائل الأعمال حول خوارزمية الترجمة الآلية من العربية إلى الروسية.

و كان من أبرز المحاضرين

 البروفيسور صمويل كارابيكيان، المتخصص في اللغويات و الشعر العربي والذي جاء خصيصاً من يريفان في أرمينيا 

والبروفيسور يفيم رزفان — مستعرب وباحث معروف في الدراسات الإسلامية، ونائب مدير متحف الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا (كونستكاميرا) التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.

و الدكتورة آنا بيلوفا — قسم لغات آسيا وأفريقيا في معهد الاستشراق التابع للأكاديمية الروسية للعلوم.

والبروفيسور نيكولاي دياكوف — رئيس قسم تاريخ دول الشرق الأوسط في جامعة سانت بطرسبرغ الحكومية.

والبروفيسور إيغور غيراسيموف — دكتور في العلوم التاريخية، الذي رافق فرالوفا وساعدها على مدى عدة سنوات حتى نهاية حياتها.

و الباحث ألكسندر ماتفييف

و أحمد آدم — رئيس منظمة «الوحدة الأفريقية، الذي تحدث عن علاقة السودانيين مع فرولوفا.

عناوين بطرسبرغ: نغمة وجدانية

بالنسبة لي، بصفتي مديرا لمركز التعاون الروسي العربي، ترك هذا المؤتمر اثرا شخصياً خاصاً. فقد عشت أيضاً في حي بيتروغرادسكايا، وكان مقر مركزنا في البناية نفسها التي عاشت فيها فرالوفا حتى أيامها الأخيرة.

وقد تذكّر البروفيسور المستعرب بلوندين الذي عمل معها لسنوات و كان له علاقة حميمية مع العرب و مصر تحديدا حيث عمل إلى جانب المصريين ايام حرب اكتوبر، فتذكر بحرارة لقاءتنا مع فرالوفا في مركزنا حيث كان كثيراً ما يجتمع الاساتذة المستعربون والعرب وأصدقاء فرالوفا و كنا نكن لها تقديرا كبيرا— و كيف احتفلنا معها أيضاً بآخر عيد ميلاد لها.

و قد اهدت مركزنا كتبا و مجلات قيمة.

و بقي مركزنا مقرون باسمها نتذكر صوتها وابتسامتها وقدرتها على جمع الناس.

لقد حظي اسم أولغا فرولوفا باحترام عميق لا في روسيا فحسب، بل وأيضاً في البلدان العربية والإسلامية لما قدمته من خدمة في تدريس الغة العربية و الدراسات الإسلامية.

وقد نالت أعمالها العلمية وإسهامها في إعداد كوادر المتخصصين في الدراسات العربية اعترافاً واسعاً.

و قد شارك في أعمال المؤتمر ممثلون عن السلك الدبلوماسي في سانت بطرسبرغ — و اذكر منهم القنصل الفخري للجمهورية العربية السورية السيد ملاذ غازي، والقنصل الفخري لأنغولا السيد فيكتور بودني. 

وقد أبرزت مشاركتهم الأهمية الدولية لإرث فرولوفا وإسهامها في تطوير العلاقات الإنسانية الروسية–العربية والروسية–الأفريقية.

استمر المؤتمر يومين وحضره عدد كبير من الطلاب: وتضمّن البرنامج الشعر العربي وعلم اللهجات وطرائق التدريس. 

وبناءً على ما تقدّم يمكن القول: إن ذكرى أولغا فرولوفا لا تقتصر على مجلداتٍ علميةٍ وطلابٍ في أنحاء العالم.

إنها نور دافئ تركته في قلوب كل من عرفها.

زر الذهاب إلى الأعلى