كوهي سايتو: حين تكتشف الماركسية حدود النمو الرأسمالي – الجزء الاول-

بقلم: سمير سليم
من سؤال الطبقة إلى سؤال الكوكب
بعد أن توقفنا في الحلقة السابقة عند سؤال فيفيك تشيبر عن الطبقة والقوة الاجتماعية، ننتقل اليوم إلى سؤال آخر يفتح أمام الماركسية المعاصرة أفقا جديدا: ماذا يحدث عندما لا تصبح القضية فقط من يملك وسائل الإنتاج، ومن يعمل، ومن يستحوذ على الثروة، بل أيضا ماذا يفعل هذا النظام بالطبيعة التي تقوم عليها الحياة الإنسانية نفسها؟
فالرأسمالية لا تعمل في فراغ. إنها تحتاج إلى الأرض والمياه والطاقة والمعادن والغذاء، وتحتاج إلى تحويل الطبيعة إلى موارد تدخل في عملية الإنتاج، ثم تتحول إلى سلع وأرباح. لكن ماذا يحدث عندما يصبح استمرار النظام الاقتصادي مشروطا بالتوسع الدائم في عالم تحكمه حدود مادية لا يمكن تجاوزها إلى ما لا نهاية؟
هنا يدخل الفيلسوف الياباني كوهي سايتو إلى النقاش، بوصفه أحد أبرز الباحثين المعاصرين الذين أعادوا فتح ملف العلاقة بين ماركس والطبيعة، ووضعوا الأزمة البيئية في قلب نقد الرأسمالية.
ولا تأتي أهمية سايتو من مجرد اهتمامه بالبيئة، وإنما من السؤال الذي يطرحه على اليسار نفسه: هل يكفي أن نغير ملكية وسائل الإنتاج، أم ينبغي أيضا أن نعيد التفكير في معنى التقدم الاقتصادي، وفي طبيعة ما ننتجه، وفي حدود استهلاكنا للموارد؟
إنه سؤال يضعنا أمام واحدة من أهم المعضلات الفكرية والسياسية في عصرنا: هل يمكن بناء مجتمع أكثر عدلا من دون إعادة النظر في الاعتقاد الراسخ بأن النمو الاقتصادي المستمر هو الطريق الوحيد إلى التقدم؟
ماركس الذي لم نقرأه بالكامل
في كتابه «إيكولوجيا ماركس: رأس المال والطبيعة والنقد غير المكتمل للاقتصاد السياسي»، الصادر عام 2017، يحاول سايتو إثبات أن العلاقة بين الرأسمالية والطبيعة لم تكن مسألة هامشية في تفكير ماركس، كما قد توحي بعض القراءات التي ركزت على الصناعة والطبقة العاملة وتطور قوى الإنتاج وحدها.
يعود سايتو إلى كتابات ماركس وملاحظاته العلمية، بما فيها دفاتره المتأخرة التي تتناول الزراعة وعلوم الطبيعة والمجتمعات غير الأوروبية، ليبين أن نقد الرأسمالية عند ماركس كان أوسع من نقد توزيع الثروة أو استغلال العمال.
فالإنتاج الرأسمالي، في نظر ماركس كما يعيد سايتو قراءة أعماله، لا ينظم علاقة الإنسان بالإنسان فحسب، بل يعيد تنظيم علاقة المجتمع بالطبيعة أيضا.
وهنا تظهر فكرة أساسية هي اختلال التبادل المادي بين الإنسان والطبيعة.
والمقصود بذلك أن الإنسان يعيش داخل الطبيعة، ويحصل منها على الغذاء والماء والطاقة والمواد اللازمة لحياته، ثم يعيد إليها ما ينتج عن نشاطه. وقد ظلت هذه العلاقة، رغم تغير أشكالها التاريخية، أساسا لا يمكن للمجتمع أن يستغني عنه.
لكن الإنتاج الرأسمالي يعيد تشكيل هذه العلاقة وفق منطق مختلف. فبدلا من أن يكون الإنتاج منظما أساسا لتلبية الاحتياجات الإنسانية، يصبح محكوما بضرورة تحقيق الربح وتراكم رأس المال.
ومن هنا تنشأ مشكلة تتجاوز التلوث المباشر أو استنزاف مورد بعينه. فالنظام الاقتصادي لا يكتفي باستخدام الطبيعة، بل يفرض عليها إيقاعا متسارعا يتجاوز قدرتها على التجدد في حالات كثيرة.
تُستنزف التربة، وتتراجع الغابات، وتتلوث المياه، وتتراكم الانبعاثات التي تغير المناخ، بينما تظل الشركات مطالبة بتحقيق المزيد من الأرباح والتوسع في الأسواق.
وهكذا تصبح الأزمة البيئية مرتبطة بطريقة تنظيم الاقتصاد نفسه، وليست مجرد نتيجة لأخطاء فنية يمكن إصلاحها من دون المساس بأسس النظام.
عندما يصبح النمو هدفا في حد ذاته
لماذا تحتاج الرأسمالية إلى النمو المستمر؟
لأن رأس المال لا يدخل عملية الإنتاج لكي يعود إلى صاحبه كما كان. إنه يُستثمر في شراء المواد الخام والآلات والقوة العاملة، ثم تُنتج السلع وتُباع، ويعود رأس المال في صورة قيمة أكبر، لتبدأ دورة جديدة من الاستثمار والتوسع.
وهكذا لا يكون الربح نهاية العملية، بل يصبح نقطة انطلاق لدورة أخرى.
تسعى الشركات إلى توسيع أسواقها، وتبحث عن موارد أرخص، وتزيد الإنتاجية، وتدخل في منافسة تدفعها إلى الاستثمار والتوسع. وحتى عندما تحقق الشركة أرباحا كبيرة، فإن استمرارها في السوق يتطلب منها أن تحافظ على قدرتها التنافسية، وأن تبحث عن فرص جديدة للنمو.
ولا يعني ذلك أن كل شركة تتوسع في كل وقت، أو أن كل زيادة في الإنتاج ضارة بالضرورة، بل إن الضغوط الأساسية للنظام تدفع رأس المال، على المستوى العام، إلى التراكم والتوسع.
وهنا تكمن المعضلة التي يلفت سايتو الانتباه إليها: كيف يمكن لنظام اقتصادي يقوم على التوسع المستمر أن يستمر في كوكب محدود الموارد؟
لقد اعتدنا أن نتعامل مع ارتفاع الإنتاج باعتباره مؤشرا إيجابيا، وأن ننظر إلى زيادة الاستهلاك بوصفها دليلا على النشاط الاقتصادي.
لكن هذه المؤشرات لا تخبرنا وحدها بما إذا كان المجتمع أكثر عدلا، أو ما إذا كانت حياة الناس قد أصبحت أفضل، أو ما إذا كان النمو قد تحقق على حساب استنزاف الموارد وتدهور البيئة.
قد يرتفع الناتج الاقتصادي بينما تتراجع جودة الهواء، أو تتقلص المساحات الزراعية، أو تصبح المياه النظيفة أكثر ندرة. وقد تتوسع الأسواق بينما يعجز قطاع واسع من السكان عن الحصول على مسكن ملائم أو علاج جيد أو تعليم مناسب.
لذلك يقودنا سايتو إلى تغيير زاوية النظر.
فالسؤال ليس كم ننتج فقط، بل ماذا ننتج، ولمن ننتج، وكيف ننتج، ومن يتحمل التكلفة الاجتماعية والبيئية لهذا الإنتاج؟
هل تستطيع الرأسمالية الخضراء حل المشكلة؟
أمام الأزمة البيئية، تظهر دعوات إلى تطوير التكنولوجيا، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وتوسيع إعادة التدوير، وإنتاج وسائل نقل أقل تلويثا.
وهذه كلها خطوات مهمة، ولا يصح التقليل من قيمتها. فالتحول إلى مصادر طاقة أقل تلويثا، وتقليل الانبعاثات، وحماية النظم البيئية، أمور ضرورية لمواجهة الأزمة المناخية.
لكن سايتو يطرح سؤالا مختلفا: هل تستطيع هذه الإجراءات وحدها حل المشكلة، إذا ظل الاقتصاد خاضعا لمنطق التوسع المستمر؟
لنفترض أن السيارات أصبحت أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، لكن عددها تضاعف بصورة كبيرة. أو أن المصانع أصبحت تستخدم كميات أقل من الموارد لإنتاج السلعة الواحدة، لكنها رفعت حجم إنتاجها إلى مستويات أعلى كثيرا. هل يعني ذلك بالضرورة أن الضغط الكلي على البيئة قد انخفض؟
ليس بالضرورة.
فقد يؤدي تحسن الكفاءة إلى تقليل استهلاك الموارد في إنتاج الوحدة الواحدة، لكن زيادة حجم الإنتاج قد تلتهم هذا الوفر أو تتجاوزه. كما أن التحول إلى تقنيات جديدة قد يحتاج بدوره إلى استخراج معادن إضافية، وإقامة منشآت جديدة، واستهلاك مساحات واسعة من الأرض والطاقة.
لا يعني هذا أن التكنولوجيا عاجزة عن تقديم حلول، بل يعني أن أثرها يتوقف أيضا على طريقة استخدام المجتمع لها، وعلى حجم الإنتاج، وعلى الأهداف التي تحكم الاقتصاد.
وهنا يظهر الخلاف مع التصورات التي تراهن على إمكان استمرار النمو إلى ما لا نهاية، شريطة أن يصبح هذا النمو أقل تلويثا.
فإذا بقي الهدف الأساسي هو إنتاج المزيد وبيع المزيد وتحقيق المزيد من الأرباح، فقد تتحسن بعض المؤشرات البيئية من دون أن تختفي الضغوط الناجمة عن التوسع الاقتصادي.
ومن ثم لا يرفض سايتو التكنولوجيا، وإنما يرفض تحويلها إلى وعد بأننا نستطيع الاحتفاظ بأنماط الإنتاج والاستهلاك نفسها، وأن نكتفي بتغيير الوسائل التي نستخدمها.
إن السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نحتاج إلى تغيير التكنولوجيا وحدها، أم إلى تغيير الأولويات التي تحدد ماذا ننتج، وكم ننتج، ولأي غرض.
من النمو الأخضر إلى خفض النمو
هنا نصل إلى المفهوم الأكثر إثارة للجدل في فكر سايتو: خفض النمو الاقتصادي.
وقد يبدو المصطلح، للوهلة الأولى، دعوة إلى إفقار المجتمعات أو وقف التنمية. لكن هذا الفهم لا يعبر عن المقصود بالفكرة في صورتها التي يدافع عنها سايتو وأنصار هذا الاتجاه.
فخفض النمو لا يعني أن يتخلى الناس عن المستشفيات أو التعليم أو الغذاء الجيد أو المساكن الملائمة، ولا يعني العودة إلى حياة بدائية، ولا يطالب المجتمعات الفقيرة بالتخلي عن حقها في تحسين ظروفها.
المقصود هو إعادة النظر في الأنشطة الاقتصادية التي ينبغي تقليصها، وتلك التي ينبغي توسيعها، وفقا لاحتياجات المجتمع وحدود الطبيعة.
قد يحتاج المجتمع إلى تقليل إنتاج السلع سريعة التلف، أو المنتجات التي لا تحقق منفعة اجتماعية حقيقية، أو الأنشطة التي تقوم على استهلاك مفرط للموارد. وفي المقابل، قد يحتاج إلى زيادة الاستثمار في المستشفيات والمدارس والمساكن العامة والمواصلات الجماعية وشبكات المياه والطاقة الأساسية.
وقد يكون من الضروري تقليل ساعات العمل في بعض القطاعات، وتوزيع العمل بصورة أكثر عدالة، بحيث لا يصبح الإنسان أسيرا للعمل من أجل الاستهلاك، ثم مضطرا إلى العمل مجددا لتلبية احتياجات يخلقها نمط الحياة نفسه.
بهذا المعنى، لا يصبح السؤال كيف نجعل الاقتصاد أكبر باستمرار، وإنما كيف نجعله أكثر قدرة على تلبية الاحتياجات الحقيقية للناس.
وهنا يقدم سايتو تصورا مختلفا للوفرة. فالثروة ليست فقط عدد السلع التي يمتلكها الفرد، بل تشمل أيضا قدرته على الحصول على العلاج، والعيش في بيئة صحية، والاستفادة من تعليم جيد، واستخدام وسائل نقل مناسبة، والحصول على وقت كاف للحياة الأسرية والثقافية والاجتماعية.
وقد يكون المجتمع الذي يوفر هذه الشروط لجميع أفراده أكثر ثراء من مجتمع ينتج كميات هائلة من السلع، لكنه يترك قطاعات واسعة من سكانه محرومة من أبسط مقومات الحياة.
العدالة الاجتماعية في قلب الأزمة البيئية
لكن هناك سؤالا لا يمكن تجاوزه: من الذي سيدفع ثمن التحول؟
لا يمكن مطالبة العامل محدود الدخل بتقليل استهلاكه بينما يظل عاجزا عن تلبية احتياجاته الأساسية.
ولا يمكن مطالبة أسرة تعاني ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة بأن تتحمل وحدها تكلفة إنقاذ البيئة، في الوقت الذي يستمر فيه أصحاب الثروات الضخمة في أنماط استهلاك مفرطة.
إذا تحول خفض النمو إلى سياسة تخفض مستوى معيشة الفئات الفقيرة، بينما تحمي امتيازات الأغنياء، فإنه يفقد مبرره الاجتماعي ويتحول إلى عبء إضافي على من يعانون بالفعل.
ولهذا يربط سايتو بين العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية.
فالأزمة البيئية لا تصيب الجميع بالدرجة نفسها، كما أن القدرة على استهلاك الموارد وتحمل نتائج تدهور البيئة ليست موزعة بالتساوي.
هناك من يجني أرباحا كبيرة من الأنشطة الملوثة، بينما يتحمل آخرون آثارها الصحية والمعيشية. وهناك مناطق تستفيد من استهلاك موارد تُستخرج من مناطق أخرى، ثم تترك وراءها التلوث واستنزاف الأرض والمياه.
ومن هنا يصبح التحول البيئي قضية تتعلق بالملكية والسلطة وتوزيع الثروة، وليس مجرد تغيير في عادات الأفراد.ج
والسؤال الذي ينبغي طرحه هو: من سيخفض ماذا؟ ومن سيحصل على ماذا؟ ومن يملك القرار بشأن أولويات الإنتاج؟
وهنا نعود مرة أخرى إلى فيفيك تشيبر.
فإذا كان تشيبر قد أعادنا إلى سؤال الطبقة والقوة الاجتماعية، فإن سايتو يضيف أن هذه القوة الاجتماعية ينبغي أن تواجه أيضا مسألة البيئة التي يعيش الناس ويعملون داخلها.
من سيقود التحول؟ وكيف يمكن بناء تحالف اجتماعي يدافع عن احتياجات العمال والفئات الأقل دخلا، وفي الوقت نفسه يحمي شروط الحياة من الاستنزاف؟
إن العدالة البيئية لا يمكن أن تتحقق من دون تغيير في موازين القوى الاجتماعية، كما أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تنفصل عن حماية الموارد التي تعتمد عليها حياة البشر.
هل يعني خفض النمو أن تظل المجتمعات الفقيرة فقيرة؟
هنا تظهر إحدى أهم نقاط الخلاف حول الفكرة.
فالعالم ليس متساويا في مستويات التنمية أو الاستهلاك. هناك مجتمعات تتمتع بوفرة مادية كبيرة، بينما لا تزال مجتمعات أخرى تعاني نقص المساكن والمدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء ووسائل النقل.
ومن غير المنطقي أن نطالب هذه المجتمعات بخفض إنتاجها الضروري قبل أن تتمكن من تلبية احتياجات سكانها الأساسية.
ولهذا فإن أي تصور جاد لخفض النمو ينبغي أن يميز بين التوسع الضروري لتحسين حياة الناس، والتوسع الذي يخدم الاستهلاك المفرط أو تراكم الأرباح على حساب المجتمع والطبيعة.
قد تحتاج دولة فقيرة إلى بناء المزيد من المستشفيات والمدارس، وإلى تطوير الزراعة والصناعة وشبكات المياه والطاقة. وقد تحتاج في الوقت نفسه إلى تجنب أنماط تنموية مهدرة للموارد، أو مشروعات لا تتناسب تكلفتها البيئية والاجتماعية مع فائدتها الحقيقية.
وبالتالي فإن القضية ليست وقف التنمية، وإنما تحديد معناها واتجاهها وأولوياتها.
وهذا التمييز مهم للغاية في العالم العربي، حيث لا تزال قطاعات واسعة من السكان بحاجة إلى تحسين ظروف المعيشة، وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية، بينما تواجه المنطقة ضغوطا متزايدة على المياه والأراضي الزراعية والطاقة والغذاء.
إن أفكار سايتو لا تقدم وصفة جاهزة يمكن نقلها من اليابان إلى مصر أو إلى أي بلد آخر، لكنها تضع أمامنا أسئلة تستحق النقاش: هل نقيس نجاح الاقتصاد بحجم الناتج وحده؟ أم بقدرته على تحسين حياة السكان؟ وهل كل مشروع يزيد الإنتاج يمثل بالضرورة تقدما؟ أم ينبغي أن نسأل أيضا عن تكلفته الاجتماعية والبيئية، وعن المستفيدين منه؟
بهذا المعنى، لا يصبح خفض النمو بديلا عن التنمية، بل دعوة إلى إعادة التفكير في نوع التنمية التي نريدها.
من سؤال الطبقة إلى سؤال الكوكب
إذا كان فيفيك تشيبر قد أعادنا إلى ضرورة فهم الطبقة العاملة ومصالحها وقدرتها على التحول إلى قوة اجتماعية، فإن كوهي سايتو يضيف بعدا آخر إلى مشروع تجديد الماركسية.
فالطبقة العاملة لا تعيش خارج الطبيعة، والإنتاج لا يجري خارج حدودها، والاقتصاد لا يستطيع الاستمرار إذا دمر الشروط المادية التي تقوم عليها الحياة.
لكن آثار الأزمة ليست متساوية، ولا تتوزع تكاليفها بصورة عادلة. ولهذا تصبح البيئة جزءا من الصراع الاجتماعي، لا موضوعا منفصلا عنه.
إن اليسار الذي يريد الدفاع عن الإنسان العامل لا يستطيع أن يتجاهل البيئة التي يعمل ويعيش فيها. واليسار الذي يطالب بالعدالة في توزيع الثروة لا بد أن يسأل أيضا عن توزيع الموارد، وعن الجهات التي تتحمل أعباء تدهورها.
وهنا تكمن أهمية سايتو: إنه يدفعنا إلى توسيع نقد الرأسمالية، بحيث لا يقتصر على الاستغلال داخل عملية الإنتاج، وإنما يشمل أيضا الطريقة التي ينظم بها المجتمع علاقته بالطبيعة.
ومع ذلك، فإن الانتقال من نقد النمو الرأسمالي إلى بناء بديل اجتماعي وبيئي ليس أمرا بسيطا. فهناك أسئلة تتعلق بالتكنولوجيا، والإنتاجية، واحتياجات المجتمعات الفقيرة، ودور الدولة، وكيفية توزيع الموارد، ومن يملك سلطة اتخاذ القرارات الاقتصادية.
وهذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بمجرد الدعوة إلى تقليل الاستهلاك، كما لا يمكن تجاهلها باسم ضرورة زيادة الإنتاج.
إنها تحتاج إلى مشروع اجتماعي يحدد الأولويات، ويوزع الأعباء بعدالة، ويضع احتياجات الإنسان وحماية الطبيعة في قلب القرارات الاقتصادية.
حين يصبح إبطاء النمو سؤالا عن المستقبل
ربما لا تكمن أهمية كوهي سايتو في أنه أثبت أن ماركس كان مفكرا بيئيا بالمعنى الذي نفهمه اليوم، بل في أنه أعاد فتح نصوص ماركس وأسئلته على ضوء أزمة لم يكن ممكنا أن تظهر في صورتها الراهنة خلال القرن التاسع عشر.
لقد اعتدنا أن نقيس تقدم المجتمعات بحجم ما تنتجه، ثم بحجم ما تستهلكه. لكن الأزمة البيئية تدفعنا إلى طرح سؤال آخر: هل يمكن أن يصبح المجتمع أكثر تقدما عندما يوفر حياة أفضل للناس، ويوزع الثروة بصورة أكثر عدلا، ويقلل الهدر، ويحمي الموارد التي تعتمد عليها الأجيال القادمة؟
لا يقدم سايتو إجابة نهائية عن كل هذه الأسئلة، لكنه يضعنا أمام ضرورة إعادة التفكير في مفهوم التقدم نفسه.
فإذا كان تراكم رأس المال يدفع إلى التوسع المستمر، وإذا كانت الطبيعة محدودة، وإذا كانت تكاليف هذا التوسع موزعة بصورة غير عادلة، فإن المشكلة لا تتعلق فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضا بمن يحدد أهدافه، ولمن تُستخدم ثماره، ومن يتحمل أضراره.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يمهد للجزء الثاني من هذه المناقشة.
إذا كانت الرأسمالية قادرة على استيعاب بعض الإصلاحات البيئية، وتطوير تقنيات أقل تلويثا، فهل تستطيع معالجة الأزمة من دون تغيير منطق التراكم الذي يدفعها إلى التوسع؟ وهل يمكن بناء مجتمع اشتراكي أكثر عدلا من دون أن يتحول هو الآخر إلى سباق جديد نحو إنتاج لا حدود له؟
إن سايتو يضعنا أمام احتمال مختلف: أن يكون التقدم الحقيقي هو التحرر من ضرورة النمو اللامحدود، لا التخلي عن التنمية أو العودة إلى الماضي.
لكن هل تكفي إعادة قراءة ماركس للوصول إلى هذا البديل؟ وهل كانت كتابات ماركس المتأخرة تقوده بالفعل إلى تصور يمكن وصفه بشيوعية خفض النمو، أم أن سايتو يعيد بناء أفكاره وفق أسئلة عصرنا؟
هذه هي المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها.
في الجزء الثاني: كوهي سايتو: هل يمكن إنقاذ الكوكب من دون تجاوز الرأسمالية؟
