من يملك حق إعادة تشكيل الإسلام المصري؟

معتز منصور – كاتب وباحث سياسة
في الأول من أكتوبر، وقّعت وزارة الأوقاف المصرية بروتوكول تعاون مع مؤسسة طابة، بحضور وزير الأوقاف أسامة الأزهري والحبيب علي الجفري، وتضمن الاتفاق تبادل الخبرات والمعارف، وتنظيم البرامج التدريبية والمحاضرات والمؤتمرات والندوات، وتأهيل العاملين في المجال الديني وتطوير العمل الديني والخطاب الإسلامي. قد يبدو الأمر في صياغته الرسمية مجرد اتفاق تعاون بين مؤسستين تعملان في المجال الديني، لكن التفاصيل المحيطة به تستحق قراءة أوسع، لأن القضية لا تتعلق فقط بما ستفعله طابة داخل مصر، وإنما بمن سيشارك في تشكيل الخطاب الديني المصري، وبأي تصور للوسطية والتجديد والتعايش، وفي أي اتجاه يمكن أن تتحرك هذه المفاهيم عندما تنتقل من بيئة إلى أخرى.
طابة تأسست في أبوظبي عام 2005 على يد الحبيب علي الجفري، أي قبل اتفاقات أبراهام بخمسة عشر عامًا، ولذلك فإن الرواية التي تجعلها مشروعًا إسرائيليًا تأسس أصلًا لتمهيد الطريق للتطبيع لا تستقيم مع الوقائع المتاحة. كذلك لم أجد ما يثبت الرواية المتداولة عن حب الجفري لنتنياهو أو عن طرده من مصر بقرار أمني عام 2002، ولذلك لا معنى لبناء تحليل جاد عليها. لكن سقوط هذه التفاصيل لا يسقط السؤال الأهم، فطابة نشأت داخل البيئة الإماراتية، وتعمل في البحث والتعليم وإعداد الكفاءات وإنتاج المعرفة الدينية، وتطرح نفسها كمؤسسة قادرة على التأثير في قادة الرأي وصناع القرار. وعندما تصبح شريكًا لوزارة الأوقاف المصرية في التدريب وتطوير الخطاب، فإن الأمر يستحق أن يُقرأ باعتباره انتقالًا لشبكة من الأفكار والخبرات إلى داخل واحدة من أقدم البيئات الدينية في العالم الإسلامي.
الصورة تصبح أكثر اتساعًا عند النظر إلى علاقة طابة بمؤسسة «كلام للبحوث والإعلام»، التي تأسست في دبي ويرأسها عارف علي النايض، ويتولى سهيل ناخودا منصب مديرها التنفيذي. العلاقة بين المؤسستين ليست ادعاءً مستحدثًا، بل تتحدث عنها مؤسسة كلام نفسها، كما ارتبط النايض بهيئات أكاديمية واستشارية في الحوار بين الأديان، ويمتلك خلفية في الفلسفة والدراسات الإسلامية واللاهوت، بينما تلقى ناخودا تعليمًا في اللاهوت الكاثوليكي والبروتستانتي واشتغل في قضايا الحوار الديني والفكر الإسلامي. لا شيء في هذه السيرة يمثل دليلًا على عمل استخباراتي، كما أن دراسة اللاهوت المسيحي ليست تهمة، لكن اجتماع هذه التخصصات والمؤسسات يكشف شبكة فكرية عابرة للحدود تتعامل مع الإسلام والحوار الديني والتعايش بوصفها مجالات لإنتاج المعرفة والتأثير.
وليس صحيحًا أيضًا أن تقرير RAND الصادر عام 2003 قال إن الصوفية «حليف تكتيكي لإسرائيل»، كما تردد في النصوص المتداولة. التقرير المعروف باسم «الإسلام المدني الديمقراطي» كان أكثر تعقيدًا من ذلك، لكنه قدم فكرة أخطر من الناحية السياسية، وهي أن التيارات الإسلامية ليست كتلة واحدة، وأن القوى الخارجية تستطيع أن تميز بينها وأن تتعامل مع بعضها وتدعم بعضها في الصراع على مستقبل المجال الإسلامي. وضع التقرير التيارات التقليدية والصوفية ضمن القوى التي يمكن التعاون معها في مواجهة اتجاهات أخرى. أهمية الوثيقة ليست في العبارة التي لم تقلها، وإنما في أنها تكشف كيف يمكن أن يتحول المجال الديني نفسه إلى موضوع للتخطيط السياسي والاستراتيجي.
لهذا فإن عبارة «تجديد الخطاب الديني» لا ينبغي أن تمر باعتبارها كلمة محايدة. التجديد يمكن أن يعني إحياء الاجتهاد، ومراجعة الجمود، وتنقية الخطاب من التعصب، وهذه كلها حاجات حقيقية. لكنه يمكن أيضًا أن يعيد ترتيب الأسئلة التي يسمح للدين بطرحها، وما يعتبره اعتدالًا وما يعتبره تطرفًا، وكيف ينظر إلى السياسة والمقاومة والاحتلال والعلاقات الدولية. فلسطين هنا ليست تفصيلًا جانبيًا، لأنها تكشف الفارق بين التسامح والعدالة. يمكن احترام اليهودي ورفض الكراهية الدينية والإيمان بالحوار بين الأديان، مع الاعتراف في الوقت نفسه بأن هناك أرضًا محتلة وشعبًا واقعًا تحت الاحتلال وأن مقاومة الاحتلال لا تصبح تطرفًا لمجرد أن الاحتلال أو حلفاءه يريدون تسميتها كذلك. الخطر يبدأ عندما تتحول لغة التعايش إلى طريقة لمحو أصل الصراع، فيصبح المطلوب من الضحية أن تتعايش مع واقع لم يتغير بدل أن يتغير الواقع نفسه.
الإمارات طورت خلال السنوات الماضية نموذجًا خاصًا لإدارة المجال الديني، يقوم على الاعتدال ومواجهة الإسلام السياسي والتسامح والحوار بين الأديان، ثم أصبحت لاحقًا طرفًا رئيسيًا في اتفاقات أبراهام. هذا لا يثبت أن طابة تأسست من أجل التطبيع، ولا أن كل خطاب عن التسامح يخدم الكيان، لكنه يجعل انتقال نموذج ديني نشأ في هذه البيئة إلى وزارة الأوقاف المصرية أمرًا يستحق النقاش. فمصر ليست أرضًا خالية من المرجعيات حتى تحتاج إلى استيراد تصور جاهز للتجديد. الأزهر يحمل تراثًا ممتدًا لأكثر من ألف عام، ويمكن إصلاحه ونقده وتطويره، لكن الإصلاح شيء، ونقل مركز الثقل في إنتاج الخطاب إلى شبكات خارجية شيء آخر.
ما يستحق المتابعة إذن ليس الأشخاص وحدهم، ولا القصص المتداولة عن مؤامرة عمرها ستة عقود، وإنما التحول الهادئ في الجهات التي تشارك في صناعة المعنى الديني. النفوذ الفكري لا يحتاج دائمًا إلى تعليمات سرية أو غرفة عمليات؛ يكفي أحيانًا أن تدخل مفاهيم جديدة إلى التدريب والمناهج والمنابر، ثم تستقر مع الوقت بوصفها مفاهيم طبيعية لا تحتاج إلى تفسير. الجيل الذي سيأتي بعد سنوات لن يتذكر بروتوكول الأوقاف وطابة، لكنه قد يتعامل مع التعريفات التي خرجت منه باعتبارها جزءًا أصيلًا من الخطاب الديني. لذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا ليس هل طابة إسرائيلية، لأن الأدلة المتاحة لا تقول ذلك، وإنما من يملك حق تحديد معنى التجديد والاعتدال والتطرف والمقاومة والاحتلال، ومن يشارك في إعادة رسم الحدود التي سيتحرك داخلها الإسلام المصري. ففي صراع الأفكار، السيطرة على تعريف الكلمات قد تكون أعمق أثرًا من السيطرة على المنابر نفسها.
