أخبارإبداعات عربيةالهلال الخصيبعاجلمتنوعاتملفات

شبكة الظلّ الإسرائيلية ولغز “رجل الألماس” في محور التمويل القطري لحماس، من النتنياهو إلى بينيت – الحلقة الأولى

كتب: هانى الكنيسى 

آثرت أن أقسّم هذا المنشور إلى جزئين متتابعيْن، درءًا لملل الإطالة بسبب غزارة التفاصيل والمعلومات في هذه القصة المثيرة. 

لم تكن حكومات إسرائيل قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، تكتفي بغض النظر عن تدفقات الأموال القطرية إلى قطاع غزة بل كانت طرفًا فاعلًا ومتواطئا في شبكة معقّدة، حسب ما كشفته الوثائق المسرّبة في أحدث حلقات برنامج “النسخة الرئيسية”، على القناة الإخبارية الإسرائيلية “News 13”.  

الصورة الدرامية المتشابكة التي يرسم ملامحها تحقيق القناة العبرية، تبدأ بالإشارة إلى دور حكومة “نفتالي بينيت–يائير لابيد” الائتلافية التي أوقفت -حسب زعمها- “حقائب الدولارات القطرية”، لكنها شاركت من جهة أخرى، في بناء “آلية بديلة حوّلت المال إلى وقود، ثم إلى إيرادات تستطيع حركة حماس استخدامها في دفع رواتب جهازها الحاكم”، بعدما كان النتنياهو قد أسّس قبل ذلك بسنوات “الإطار السياسي” الذي جعل التمويل القطري جزءاً من استراتيجية التعامل مع غزة.

الأهم في التحقيق الاستقصائي التلفزيوني -الذي استند إلى وثائق حصل عليها الصحافي ‘مايكل شيميش’- ليس مجرد إثبات أن الأموال القطرية استمرت في التدفق إلى غزة بعد رحيل النتنياهو “المؤقت” عن رئاسة الحكومة. فهذا الأمر معروف منذ سنوات، وإنما الاستشهاد بسلسلة من الوثائق والاجتماعات السرية التي تكشف كيف جرى تصميم “الآلية البديلة”، وتميط اللثام عن “هوية” الوسطاء الإسرائيليين والقطريين الذين تحركوا في الكواليس مع قيادات حماس (بالتنسيق مع مصر أحيانًا)، وكيف شارك يحيى السنوار شخصيًا في تفاصيل ذلك الترتيب. 

إذ أكدت القناة في برنامجها أن الوثائق (المزعومة) لا تغطي كامل تاريخ التمويل القطري لحماس بمعرفة إسرائيل، بل تركز تحديداً على نهاية 2021، أي خلال عهد “حكومة بينيت–لابيد”. 

تنطلق فصول القصة من النقطة التي حاولت حكومة “العام الواحد” (يونيو 2021 – ديسمبر 2022) تقديمها بوصفها “تصحيحًا” لسياسة خصمها النتنياهو، عندما تعهد ‘بينيت’ في يوليو 2021، بوقف “حقائب الأموال القطرية” التي كانت تدخل غزة. وفي سبتمبر من العام ذاته، بدأت الحكومة الإسرائيلية تطبيق آلية جديدة، بالتنسيق مع الأمم المتحدة، لتوزيع المساعدات على الأسر في غزة بعيداً عن نقل الأموال النقدية مباشرة إلى مؤسسات حماس (التي كانت تحكم القطاع فعليًا).

لكن بعد نحو ثلاثة أشهر من منع دخول “حقائب الأموال”، بدأت إسرائيل وقطر ومصر وحماس العمل على صيغة مختلفة تماماً. 

وفي قلب هذه الآلية، يظهر شخص أطلقت عليه الوثائق الأمنية الإسرائيلية اسم “اليهلومان”، أي “رجل الألماس”.

المقصود بهذا الاسم، بحسب وثائق القناة 13 العبرية، لم يكن تاجر ألماس إسرائيلياً–أوروبياً (مزدوج الجنسية) يعمل تحت واجهة شركات في بلجيكا وجنوب أفريقيا وقبرص وتركيا -كما ذهبت بعض الروايات المتداولة في الإعلام، وإنما الدبلوماسي والمهندس القطري ‘محمد إسماعيل العمادي’، الذي اشتُهر في الأوساط السياسية والإعلامية بوصفه “رئيس اللجنة القطرية لإعادة إعمار غزة” منذ تأسيسها في أكتوبر 2012، وكان يتولى الاتصال المباشر مع مصر وحماس والجهات الإسرائيلية. 

ففي 17 أكتوبر 2021، حمل العمادي إلى الإسرائيليين ما بدا في الظاهر حلاً تقنياً لمعضلة سياسية حساسة: كيف يستمر تدفق الأموال إلى غزة دون إعادة حقائب الدولارات؟

وكانت الإجابة: بسم الله الرحمن الرحيم – “الوقود”.

بحسب الوثائق العبرية المسرّبة، أبلغ المسؤول القطري الجانب الإسرائيلي أنه تم التوصل إلى آلية تتيح دفع رواتب كبار موظفي حكومة حماس بصورة “غير مباشرة”، تمثلت في أن تشتري الدوحة وقوداً من مصر بقيمة تصل إلى 10 ملايين دولار شهرياً، ثم يدخل الوقود إلى غزة ويُسلَّم مباشرة إلى شركة تابعة لحماس، بعيدًا عن الرقابة المفروضة آنذاك على آلية المساعدات الإنسانية. 

وبعد ذلك، تقوم حماس ببيع الوقود في السوق المحلية، واستخدام العائدات في دفع رواتب موظفيها، أو اعتبار الأموال التي وفرتها من ميزانيتها المدنية مساحة مالية يمكن توجيهها إلى أغراض أخرى. 

وفي اجتماع سري سجّلت وقائعه تلك الوثائق، طلب العمادي من إسرائيل زيادة عدد العمال الفلسطينيين من غزة المسموح لهم بالعمل داخل إسرائيل إلى 30 ألفاً شهرياً. 

وهنا تكمن أهمية التمييز بين تمويل حركة حماس ككيان سياسي عليه التزامات تجاه القطاع الذي يديره، وتمويل جناحها العسكري. 

فالوثائق لا تشير -من قريب أو بعيد- إلى أن مبلغ الـ10 ملايين دولار كان يُسلَّم مباشرة إلى “كتائب القسام” لشراء صواريخ أو أسلحة. ما تثبته هو أن “الآلية” كانت توفر لحكومة حماس مورداً مالياً قابلاً للتحويل إلى سيولة، وأن تخفيف الأعباء عن ميزانية الحركة المدنية يحرر موارد أخرى يمكن استخدامها في مجالات مختلفة. وهذا هو بالضبط مفهوم “قابلية استبدال المال” fungibility الذي استخدمه خبراء أمريكيون وإسرائيليون في تقييم قانونية هذه السياسة: إذا تكفلت جهة خارجية بدفع تكاليف الوقود أو الرواتب أو الخدمات التي كانت حماس تتحملها، فإن الأموال التي كانت ستذهب إلى تلك البنود تصبح متاحة لأغراض أخرى وفي هذه المرحلة التاريخية، يظهر الزعيم الراحل يحيى السنوار على مسرح الأحداث.

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى