أخبارإبداعات عربيةعاجلملفاتنحن والغرب

سيلفيا فيديريتشي: حين يصبح العمل غير المرئي أساسا للرأسمالية

بقلم: سمير سليم

من سؤال الطبقة إلى سؤال الحياة

في المقال السابق عن كوهي سايتو انتقلنا من سؤال الطبقة والقوة الاجتماعية إلى سؤال آخر أكثر اتساعا: ماذا يحدث عندما تصطدم الرأسمالية بحدود الطبيعة؟ وهل يمكن لنظام يقوم على التراكم والنمو المستمر أن يستمر بلا نهاية في عالم له موارد وحدود مادية؟

لكن هناك سؤالا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أقرب إلى الحياة اليومية لكل إنسان:

من الذي يطهو الطعام؟

من يربي الأطفال؟

من يرعى المرضى وكبار السن؟

من ينظف البيت؟

من يعيد العامل إلى حالته التي تسمح له بالذهاب إلى العمل في اليوم التالي؟

هذه الأعمال ضرورية لاستمرار المجتمع والاقتصاد، لكنها في معظم الأحيان لا تظهر في حسابات الناتج ولا تحصل على القيمة الاجتماعية والاقتصادية التي تستحقها.

هنا تدخل سيلفيا فيديريتشي إلى قلب النقاش.

فيديريتشي لا تبدأ من المصنع وحده، ولا من العامل الذي يقف أمام الآلة، وإنما من البيت والجسد والرعاية والعمل اليومي الذي يسمح أصلا باستمرار قوة العمل.

ومن هنا جاء سؤالها:

ماذا لو كان جزء أساسي من عمل الرأسمالية يجري خارج مكان العمل؟

من إيطاليا إلى الحركة النسوية

ولدت سيلفيا فيديريتشي في إيطاليا عام 1942، وانتقلت إلى الولايات المتحدة في ستينيات القرن العشرين. وأصبحت لاحقا واحدة من أبرز الأصوات في التقليد الماركسي النسوي، خصوصا في النقاش حول العمل المنزلي وإعادة إنتاج الحياة والعمل الاجتماعي.

وفي سبعينيات القرن العشرين ارتبط اسمها بالحركة التي طالبت بالاعتراف بالعمل المنزلي بوصفه عملا حقيقيا، لا مجرد واجب طبيعي للمرأة.

وكانت من المشاركات في تأسيس التجمع النسوي الدولي، الذي ارتبط بحملة «أجور مقابل العمل المنزلي».

الفكرة في ظاهرها بسيطة، لكنها كانت شديدة الراديكالية:

إذا كان المجتمع يستفيد من العمل الذي تقوم به النساء داخل المنزل، فلماذا لا يعترف به باعتباره عملا؟

وهنا لم تكن القضية مجرد المطالبة بالمال. كانت القضية أعمق.

كان المطلوب كشف حقيقة أن الاقتصاد الذي نراه ليس كل الاقتصاد، وأن جزءا كبيرا من العمل الضروري لإنتاج المجتمع يتم إخفاؤه داخل الأسرة وتحت عنوان «الحياة الخاصة».

ماذا يعني العمل غير المرئي؟

عندما نسمع كلمة «عامل» غالبا ما نتخيل شخصا يذهب إلى مصنع أو شركة أو مكتب ويحصل على أجر.

لكن العامل لا يصل إلى مكان العمل من فراغ.

هناك شخص ربما أعد له الطعام، وغسل ملابسه، ورعى أطفاله، ونظف منزله، واعتنى به عندما مرض.

وفي كثير من المجتمعات كانت المرأة تقوم بجزء كبير من هذه الأعمال من دون أجر.

هنا طرحت فيديريتشي مفهوم «إعادة إنتاج الحياة» أو «إعادة الإنتاج الاجتماعي».

والمقصود ليس الإنجاب فقط، وإنما مجموعة الأعمال التي تجعل الحياة اليومية ممكنة وتعيد إنتاج الإنسان بوصفه فردا وعضوا في المجتمع وقوة عمل أيضا.

وبهذا المعنى فإن الطبخ والتنظيف والرعاية والتربية ليست أعمالا هامشية.

إنها جزء من البنية التي تسمح للاقتصاد كله بالاستمرار.

وهذا السؤال أصبح أكثر وضوحا في العقود الأخيرة، خصوصا بعد الأزمات الصحية والاقتصادية التي أظهرت مدى أهمية أعمال الرعاية والعمل المنزلي والعمل الصحي والخدمي.

من المصنع إلى البيت هنا تختلف فيديريتشي عن بعض القراءات التقليدية للماركسية.

فالماركسية الكلاسيكية ركزت بصورة أساسية على مكان إنتاج السلع وعلى العلاقة بين رأس المال والعمل المأجور.

لكن فيديريتشي تسأل:ماذا عن إنتاج العامل نفسه؟العامل ليس مجرد قوة عمل تظهر كل صباح في المصنع.

إنه إنسان يحتاج إلى الغذاء والنوم والرعاية والتعليم والصحة والتربية.

وبالتالي فإن الرأسمالية لا تحتاج فقط إلى إنتاج السلع، وإنما تحتاج أيضا إلى إعادة إنتاج القوة البشرية التي تعمل وتنتج هذه السلع.

وهنا يصبح البيت جزءا من الاقتصاد، حتى لو لم يظهر في دفاتر الشركات.

ومن هذه النقطة يمكن فهم أحد أهم إسهامات فيديريتشي: توسيع سؤال الاستغلال.

فالاستغلال لا يحدث فقط عندما يبيع العامل قوة عمله مقابل أجر أقل من القيمة التي ينتجها، وإنما هناك أيضا عمل ضروري للحياة يتم الاستفادة منه اجتماعيا واقتصاديا من دون أن يحصل دائما على الاعتراف أو الأجر.

«أجور مقابل العمل المنزلي»

قد يبدو شعار «أجور مقابل العمل المنزلي» للوهلة الأولى وكأنه مجرد مطالبة مالية.

لكن فيديريتشي كانت ترى أن الهدف الأساسي هو كشف طبيعة العلاقة نفسها.

إذا قالت المرأة إنها لا تعمل لأنها لا تتقاضى أجرا، فإنها تقبل ضمنيا التعريف الرأسمالي للعمل باعتباره ما يحصل على أجر.

أما إذا قلنا إن العمل المنزلي عمل حتى عندما لا يكون مأجورا، فإننا نكشف أن هناك أعمالا ضرورية للمجتمع لا يعترف بها النظام الاقتصادي بصورة كاملة.

ومن هنا تصبح المطالبة بالأجر أداة سياسية لكشف ما يخفيه الاقتصاد.

لكن هنا تظهر أيضا مشكلة مهمة.

هل الحل هو تحويل كل عمل اجتماعي إلى أجر؟

 

أم أن القضية الأعمق هي إعادة تنظيم المجتمع بحيث لا تتحمل المرأة وحدها مسؤولية الرعاية والعمل المنزلي؟

 

وهذا سؤال لم يفقد أهميته حتى اليوم.

 

«أبوية الأجر»

 

من المفاهيم المهمة لدى فيديريتشي أيضا مفهوم «أبوية الأجر».

 

فهي ترى أن صعود الرأسمالية لم يؤد فقط إلى ظهور العامل المأجور، بل ساهم تاريخيا في إعادة تنظيم العلاقات بين الرجال والنساء.

 

وأصبح الرجل الذي يحصل على الأجر في كثير من السياقات هو صاحب المركز الاقتصادي الأقوى داخل الأسرة، بينما ارتبطت المرأة بصورة أكبر بالعمل المنزلي وإعادة إنتاج الحياة.

 

وبذلك لم يكن الأجر مجرد علاقة بين العامل وصاحب العمل.

 

لقد أصبح أيضا عاملا في تشكيل السلطة داخل الأسرة.

 

وهذا لا يعني أن النظام الأبوي اخترعته الرأسمالية أو أنه لم يكن موجودا قبلها.

فيديريتشي نفسها تميز بين الأشكال التاريخية المختلفة للسلطة الأبوية.

لكن حجتها هي أن الرأسمالية أعادت تشكيل هذه العلاقة وربطتها بصورة جديدة بعلاقة الأجر والعمل والإعالة. 

وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدا من القول إن «الرجل مستغل والمرأة مستغلة».

فالعلاقات الاجتماعية تتداخل.

والمرأة العاملة يمكن أن تكون مستغلة في مكان العمل، وفي الوقت نفسه تتحمل داخل المنزل عملا إضافيا غير مأجور.

والرجل العامل يمكن أن يكون مستغلا من صاحب العمل، لكنه قد يستفيد في الوقت نفسه من تقسيم اجتماعي يجعل جزءا من أعمال الرعاية يقع على عاتق النساء.

هذه العلاقات المتشابكة هي التي تريد فيديريتشي أن تجعلها مرئية.

«كاليبـان والساحرة»

أشهر كتب فيديريتشي هو «كاليبـان والساحرة: المرأة والجسد والتراكم البدائي»، الذي صدر عام 2004.

في هذا الكتاب تعود إلى مرحلة الانتقال الأوروبي من الإقطاع إلى الرأسمالية، وتحاول إعادة قراءة ما يسميه ماركس «التراكم البدائي».

ماركس استخدم هذا المفهوم لشرح العملية التاريخية التي جرى من خلالها فصل المنتجين عن وسائل إنتاجهم، خصوصا الأرض ووسائل العيش، بما ساهم في خلق طبقة مضطرة إلى بيع قوة عملها.

لكن فيديريتشي تقول إن الصورة لا تكتمل إذا ركزنا على الأرض والعمل المأجور فقط.

علينا أن ننظر أيضا إلى النساء والجسد والإنجاب والعمل المنزلي.

وفي قراءتها أصبحت السيطرة على جسد المرأة وعلى قدرتها الإنجابية جزءا من عملية إعادة تنظيم المجتمع التي صاحبت نشوء الرأسمالية.

كما تربط بين هذه العملية وبين تراجع أشكال معينة من استقلال النساء، وتحول العمل الإنجابي والرعائي إلى مجال أقل اعترافا به وأكثر ارتباطا بالأسرة.

وهنا قدمت فيديريتشي واحدة من أكثر أفكارها إثارة للجدل: إن تاريخ نشوء الرأسمالية لا يمكن فهمه من دون تاريخ السيطرة على النساء وأجسادهن والعمل الذي يقمن به.

الساحرات والتراكم الرأسمالي

من أشهر أجزاء أطروحة فيديريتشي تحليلها لمطاردات الساحرات في أوروبا.

فهي ترى أن اضطهاد النساء المتهمات بالسحر لم يكن مجرد ظاهرة دينية أو خرافية منفصلة عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية الكبرى، وإنما يجب النظر إليه أيضا في سياق إعادة تنظيم السلطة والعمل والجسد والسكان في مرحلة الانتقال إلى الرأسمالية.

وهنا تكمن قوة أطروحتها، لكنها أيضا نقطة من نقاط الجدل حولها.

فالعلاقة بين مطاردات الساحرات ونشوء الرأسمالية ليست محل اتفاق تاريخي بسيط، ولا يمكن اختزال الظاهرة كلها في سبب اقتصادي واحد. الدراسات التاريخية الحديثة تناقش عوامل متعددة، وتؤكد اختلاف السياقات الأوروبية والمحلية وتداخل الدين والسياسة والسلطة الاجتماعية والاقتصاد. 

لذلك من الأفضل ألا نقرأ فيديريتشي وكأنها قدمت «الحقيقة النهائية» عن مطاردات الساحرات.

الأهم هو السؤال الذي فتحته:ماذا نخسر عندما نكتب تاريخ الرأسمالية من منظور المصانع والأسواق فقط، وننسى تاريخ الجسد والأسرة والرعاية؟

وهذا السؤال لا يزال قويا حتى لو اختلفنا مع بعض تفاصيل تفسيرها التاريخي.

ليست كل الماركسية عند فيديريتشي

من الخطأ أيضا تقديم فيديريتشي باعتبارها مجرد «ماركسية أكثر راديكالية».

هي في الحقيقة ناقدة لبعض جوانب التقليد الماركسي نفسه.

فهي ترى أن التركيز المفرط على العمل المأجور يمكن أن يجعل أعمالا أخرى ضرورية للرأسمالية غير مرئية.

كما أن إدخال العمل المنزلي والرعاية وإعادة إنتاج الحياة إلى التحليل الاقتصادي يوسع مفهوم الطبقة والاستغلال.

وهذا لا يعني أن الطبقة لم تعد مهمة.

على العكس.

فالسؤال يصبح:كيف تتكون الطبقة نفسها؟

كيف تتم إعادة إنتاج العمال؟

من يتحمل تكلفة تربية الجيل الجديد من العمال؟

من يتحمل تكلفة المرض والشيخوخة والرعاية؟

ومن يدفع الثمن عندما تنسحب الدولة من الخدمات الاجتماعية؟

هنا تلتقي فيديريتشي بصورة غير مباشرة مع سؤال تشيبر.

تشيبر أعاد الطبقة إلى قلب النقاش.

أما فيديريتشي فتسألنا عن الشروط الاجتماعية التي تجعل الطبقة نفسها موجودة وقادرة على العمل.

من «إنتاج السلع» إلى «إنتاج الحياة»

وهنا تكمن أهمية فيديريتشي بالنسبة إلى تجديد اليسار.

الرأسمالية لا تنتج السيارات والهواتف والملابس والطعام فقط.

إنها تحتاج إلى مجتمع كامل يعيد إنتاج البشر الذين يعملون ويستهلكون ويربون الأجيال القادمة.

ولهذا يصبح السؤال عن المدرسة والمستشفى والسكن والمواصلات ورعاية الأطفال وكبار السن جزءا من السؤال الاقتصادي، وليس مجرد قضايا خدمات اجتماعية منفصلة.

وعندما يتم خصخصة الرعاية، أو تقليص الخدمات العامة، أو تحميل الأسرة تكاليف الصحة والتعليم، فإن جزءا من التكلفة ينتقل من الدولة والسوق إلى الأسرة.

وفي كثير من الحالات تتحمل النساء النصيب الأكبر من هذه التكلفة غير المرئية.

وهنا يتحول سؤال «من يعمل؟» إلى سؤال أكثر عمقا:من يدفع تكلفة الحياة نفسها؟

ماذا أضافت فيديريتشي إلى الماركسية؟

أعتقد أن أهم ما أضافته فيديريتشي ليس شعار «أجور مقابل العمل المنزلي» وحده، وإنما توسيع خريطة الاقتصاد السياسي.

لقد قالت لنا إن المصنع ليس المكان الوحيد الذي يحدث فيه العمل.

والأجر ليس المقياس الوحيد لقيمة العمل والإنتاج ليس هو العملية الوحيدة الضرورية لاستمرار المجتمع.

هناك أيضا إعادة إنتاج الحياةزوهناك أجساد تحتاج إلى الرعاية.وهناك أطفال يحتاجون إلى التربية.وهناك مرضى يحتاجون إلى العناية.

وهناك كبار سن يحتاجون إلى من يرعاهم.

وهناك أعمال يومية إذا توقفت ليوم واحد فقط يمكن أن تتوقف معها أجزاء واسعة من المجتمع.

هذه الأعمال قد لا تنتج سلعة تباع في السوق، لكنها تجعل السوق نفسه ممكنا.

ولكن أين يمكن أن نختلف معها؟

تجديد اليسار لا يعني تحويل كل مفكر إلى مرجع معصوم.

وهنا يمكن تسجيل أكثر من ملاحظة على فيديريتشي.

أولا، هناك خطر أن يصبح تفسير التاريخ من خلال الرأسمالية شاملا أكثر من اللازم، بحيث تبدو كل أشكال اضطهاد النساء وكأنها نتاج مباشر للرأسمالية، مع أن النظام الأبوي أقدم من الرأسمالية وله أشكال متعددة.

ثانيا، بعض الروابط التاريخية التي تقيمها بين مطاردات الساحرات ونشوء الرأسمالية تظل موضع نقاش بين المؤرخين، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها حقيقة محسومة.

ثالثا، التركيز الكبير على العمل المنزلي قد يترك أحيانا أسئلة أخرى تحتاج إلى تحليل مستقل، مثل العرق والاستعمار والقومية والدين والاختلافات الكبيرة بين تجارب النساء أنفسهن.

لكن هذه الانتقادات لا تلغي القيمة الأساسية لمشروعها.بل ربما تؤكدها.فالمفكر الجيد ليس من يغلق السؤال، وإنما من يجعلنا نراه بطريقة لم نكن نراه بها من قبل.

فيديريتشي ومجتمعاتنا العربية

وهنا يصبح الحوار مع فيديريتشي أكثر أهمية.

ليس المطلوب أن نستورد تحليلات نشأت في أوروبا أو الولايات المتحدة ونضعها آليا على المجتمعات العربية.

لكن علينا أن نسأل أسئلتها بلغتنا نحن.

كم من العمل المنزلي تقوم به النساء من دون أجر؟

كم من ساعات الرعاية لا تظهر في الحسابات الاقتصادية؟

ماذا يحدث عندما يمرض أحد أفراد الأسرة؟

من يتوقف عن العمل لرعايته؟

من يتحمل تربية الأطفال عندما ترتفع تكاليف الحضانة والتعليم؟

وماذا يحدث عندما لا تستطيع الدولة توفير خدمات عامة كافية؟

هذه الأسئلة ليست «نسوية» بمعنى أنها تخص النساء وحدهن.

إنها أسئلة عن الاقتصاد كله.

وفي المجتمعات العربية، حيث لا تزال الأسرة تؤدي دورا كبيرا في الرعاية والتكافل، يصبح السؤال أكثر تعقيدا.

فالأسرة يمكن أن تكون مساحة للحماية والتضامن، لكنها يمكن أيضا أن تتحمل أعباء اقتصادية واجتماعية كان يمكن توزيعها بصورة أكثر عدلا بين الدولة والمجتمع والسوق.

ولهذا فإن اليسار الذي يريد أن يتحدث عن العدالة الاجتماعية في القرن الحادي والعشرين لا يستطيع أن يكتفي بالحديث عن الأجور والأسعار والعمالة.

عليه أيضا أن يتحدث عن الوقت.عن الرعاية.عن الصحة.عن الأطفال.عن الشيخوخة.

عن السكن.وعن الحق في حياة لا تتحول فيها كل دقيقة من حياة الإنسان إلى سلعة.

من سايتو إلى فيديريتشي

وهنا نعود إلى الطريق الذي قطعناه في هذه السلسلة.

مع فيفيك تشيبر عدنا إلى الطبقة وسألنا كيف يمكن للطبقة أن تتحول من موقع اقتصادي إلى قوة اجتماعية وسياسية.

ومع كوهي سايتو انتقلنا إلى حدود الطبيعة وسألنا هل يستطيع منطق التراكم الرأسمالي أن يستمر في عالم محدود الموارد.

أما فيديريتشي فتضيف طبقة أخرى من السؤال:

من يعيد إنتاج الحياة التي يحتاجها كل من الاقتصاد والمجتمع؟

وبذلك تتسع صورة الرأسمالية أمامنا.

الرأسمالية ليست فقط علاقة بين رأس المال والعامل.

وليست فقط علاقة بين الإنسان والطبيعة.

إنها أيضا نظام ينظم الوقت والجسد والأسرة والرعاية والعمل المأجور وغير المأجور.

وهنا ربما نكتشف أن تجديد اليسار لا يعني العودة إلى الماضي، بل توسيع سؤال العدالة نفسه.

لم يعد السؤال فقط:من يملك وسائل الإنتاج؟

بل أيضا:من يملك الوقت؟

من يتحمل تكلفة الرعاية؟

من يحدد قيمة العمل؟

ومن يقرر أي الأعمال تستحق الأجر وأيها يمكن أن يظل مخفيا داخل الأسرة؟

خاتمة: عندما يصبح السؤال هو الحياة نفسها

ربما كانت أهم مساهمة لفيديريتشي أنها جعلتنا ننظر إلى الاقتصاد من مكان لم نكن نراه بسهولة.

من المطبخ. من غرفة الطفل.من سرير المريض.من رعاية المسن.من جسد المرأة.

ومن ساعات العمل التي لا يسجلها أحد.وهذا لا يعني أن المصنع اختفى، ولا أن الطبقة لم تعد مهمة، ولا أن الصراع حول الملكية والإنتاج أصبح من الماضي.

بل يعني أن الصورة أصبحت أوسع فالإنسان لا يبدأ حياته كعامل عندما يدخل المصنع، ولا ينتهي عمله عندما يخرج منه.

هناك حياة كاملة يجب إعادة إنتاجها كل يوم.

وهنا يلتقي سؤال فيديريتشي مع سؤال سايتو بصورة لافتة.

سايتو يقول لنا إن الرأسمالية لا تستطيع أن تتعامل مع الطبيعة باعتبارها بلا حدود.

وفيديريتشي تقول لنا إن الرأسمالية لا تستطيع أن تتجاهل العمل الذي يعيد إنتاج الحياة.

وفي الحالتين يظهر شيء واحد:

الرأسمالية تميل إلى تحويل الشروط التي تجعل الحياة ممكنة إلى أشياء يمكن استغلالها أو استهلاكها، بينما يطرح اليسار سؤالا مختلفا: كيف نجعل الاقتصاد في خدمة الحياة، لا الحياة في خدمة الاقتصاد؟

لكن إذا كانت فيديريتشي قد نقلتنا من المصنع إلى البيت، ومن العمل المأجور إلى العمل غير المرئي، فإن سؤالا آخر يفرض نفسه الآن:

إذا كان اليسار يريد إعادة بناء المجتمع، فهل يكفي أن يعيد توزيع الثروة والعمل؟

أم أن عليه أيضا أن يعيد التفكير في الملكية، وفي المشاع، وفي الموارد التي لا ينبغي أن تتحول كلها إلى سلع؟

ومن هنا يفتح سؤال فيديريتشي الباب أمام مرحلة جديدة في هذه السلسلة:

هل يمكن بناء اقتصاد يقوم على المشاع والتعاون، بدلا من أن يقوم كل شيء فيه على السوق والملكية الخاصة؟

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى