العولمة الثقافية سلاح أمريكي للسيطرة على الشعوب العربية وطمس هويتها

تقرير: نجوى إبراهيم
مع انهيار المنظومة الإشتراكية الشيوعية للاتحاد السوفيتى منذ بداية تسعينات القرن الماضى ظهر مفهوم العولمة ..و انفردت الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم وبدأت بنشر ثقافتها من خلال أدواتها التكنولوجية ووسائل اتصالاتها الحديثة التى أثرت على هوية وثقافات المجتمعات الأخرى خاصة المجتمع العربى ..
والعولمة الثقافية تعتبر الوجه الأخر للهيمنة والقوة وبسط السيطرة على العالم بقيادة طرف واحد أو تحت زعامة منفردة وهى الولايات المتحدة الأمريكية ..والتى تسعى من خلال ما يسمى بالعولمة الثقافية غزو الفكر العربى و استعماره..
تحديا كبيرا للدول العربية
وتشكل العولمة الثقافية اليوم تحديا كبيرا للدول العربية، كونها أدّت إلى تعميق المشاكل في العالم العربي بما فيها تعميق أزمة الهوية الوطنية للدول العربية الأمر الذي أثر سلبا على الهوية العربية ككل وتهديدها للأمن الثقافي العربي بطمس هويتها وثقافتها وقيمها، و الأكثر من ذلك خلق انقسامات وتشتت داخل الشعوب العربية.
فمنذ الحرب العالمية الثانية ، وخاصة في أعقاب نهاية الحرب الباردة، تحاول الولايات المتحدة، بكل قوتها الاقتصادية والعسكرية، تصدير قيمها القائمة على الأيديولوجية مثل ما يسمى بـ “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان” من خلال التسلل الثقافي، سعيا للهيمنة على عقول الناس في دول أخرى.
إن ممارسة الهيمنة الثقافية هذه التي تقوم بها الولايات المتحدة تقوض استقلال الثقافات الأخرى، وتعيق التبادلات بين الثقافات في جميع أنحاء العالم، وتشكل تهديدا خطيرا للسلام والتنمية في العالم.
وتسعى العولمة الثقافية إلى طمس هويتنا المتمثلة فى اللغة والتاريخ والثقافة العربية ,وأصبحت الوسائل التكنولوجية الحديثة والانترنت ويلة هامة يعتمد عليها فى طمس وتقويض الهويات واحلال الهوية الأمريكية محل الهوية الوطنية ..
وفى رأى الخبير الإقتصادى الراحل الدكتور اسماعيل صبرى عبدالله أن العولمة هى التداخل الواضح لامور الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة ..والعولمة الثقافية تتجلى فى فرض منهج وثقافة غربية أمريكية و هيمنتها على شعوب وأفراد العالم ومحو وإهدار للخصوصية إلى درجة أن لا يكون لأى مجتمع ثقافة ذاتية وهوية شخصية أو خصوصية.
مخاطر العولمة على هويتنا
وفى كتاب”مخاطر العولمة على هويتنا الثقافية يقول “محمد عمارة”أن الاختراق العولمى الثقافى لا يتوقف عند حدود تكريس الاستتباع الحضارى بوجه عام بل هو سلاح خطير يكرس الانسلاخ عن الهوية الوطنية القومية الأنية وعلى مدى الأجيال القادمة وكذلك يكرس الانسلاخ عن القيم والمبادئ المحافظة التى نشئت عليها مجتمعاتنا ,باستعمال الوسائل البصرية والسمعية وطمس خصوصياتنا الحضارية .
ويرى ثائر رحيم كاظم فى دراسة “العولمة والمواطنة والهوية أن العولمة ترمى من ورائها اخضاع النفوس وتعطيل فاعلية العقل وتكييف المنطقة والتشويش على نظام القيم وتنميط الذوق والسلوك الانسانى نحو السلوك الاستهلاكى الفردى ما قد يضعف من انتمائه الوطنى والقومى ويساهم فى تفكيك عناصر هويته ومكوناتها ليصبح شعبا بلا هوية وهو ما يدفع للتفتيت والتشتت ليربك الناس بعالم اللاوطن واللا أمة واللا دولة.
وتهدف أمريكا من طمس هويتنا تعزيز وترسيخ القبول الطوعى لقناعات الغرب وتصوراته الثقافية والايدلوجية مستعينة بأدواتها ..فالولايات المتحدة تسعى إلى إلى هيمنة فى جميع الجوانب بما فيه الجانب الثقافى ما يعنى تعميم القيم واعقائد والسلوكيات الأمريكية على العالم أجمع ,وتستخدم فى ذلك التقدم الهائل فى ثورة الاتصالات والمعلومات وهذا ما أكده د”عابد الجابرى “حيث اعتبر أن العولمة تعميم نمط حضارى يخص بلد بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية ..
وتحاول الولايات المتحدة دائما بيع قيمها وأساليب حياتها إلى ثقافات أخرى من خلال وسائل الإعلام والكتب والأفلام والمنشورات الأخرى، فضلا عن تمويل ما يسمى بالمنظمات الثقافية غير الربحية، وذلك لتشكيل رأي عام وسرد تهيمن عليه الثقافة الأمريكية.
ويكمن المدخل الأساسى للتأثير فى الإختراق الإعلامى الهائل الذى يتبلور فى ثقافة الصورة التى تعتبر الأداة السحرية لهذا النظام العولمى الثقافى ..وفي الوقت الحاضر، مع التطور السريع للإنترنت،أصبح مقوما أساسيا يزيد من ضعف الشعور بالانتماء المحلى والوطنى ويعمل على تقويضه وتنسيج هوايات غير متعلقة بالحيز المكانى وتقلل الشعور بالانتماء إليه..فأصبح الانترنت وسيلة هامة للعولمة الثقافية وما تحمله من أفلام وصور وأفكار ثقافية تطيح بمعالم الهوية الثقافية الخاصة بالشعور والأفراد.
الإطاحة بالأخلاق الفاضلة
والإطاحة بالاخلاق الفاضلة من شأنها قلب الوضع الثقافى والسياسى للبلدان بتغيير وجهة الرأى العام وإقامة النزاعات بين الشعوب ..
فأصبحت إستراتيجية الهيمنة الثقافية الأمريكية أكثر خطورة وتدميرا، ويجب على العالم أن يكون أكثر يقظة.
فقد تلاعبت الولايات الأمريكية بوسائل الإعلام المحلية لتضخيم المصاعب الاجتماعية والاقتصادية في تلك البلدان من أجل جعل الشباب يفقدون الثقة في مجتمعاتهم، ويتحولون إلى تبني القيم الأمريكية.
ويتعين على الدول في جميع أنحاء العالم أن تدرك حقيقة أن طبيعة ترويج أمريكا للديمقراطية والحرية على الأسلوب الأمريكي هو هوسها للهيمنة على العالم.
وأمام هذا الغزو العولمى للقيم والثقافات والأفكار الرامية إلى محو وطمس مقومات الهوية أوضح الكاتب “المعتصم بالله أحمد الخلايلة أستاذ العلوم السياسية جامعة مؤتة بالأردن فى دراسة حول أبعاد العولمة الثقافية أنه ينبغى نهوض الأمة العربية فى شتى الميادين ,ومراجعة أسباب التراجع والتخلف ,وترسيخ الهوية العربية والإسلامية داخل نفوس أفراد المجتمع من خلال العودة إلى العادات والقيم الانسانية ,والعناية والاهتمام باللغة العربية الفصحى وتوحيد لغة الكلام ولغة الدراسة ,واعادة النظر فى المناهج التعليمية بحيث تصبح مؤهلة فى مواجهة الثقافة الغربية وقادرة على التأقلم معها والحفاظ على القيم الثقافية العربية ,والاهتمام بدور الاسرة على ترسيخ المبادئ والقيم الثقافية , الأسرة هى الدعامة الأساسية فى بناء الأجيال الأكثر قربا للقيم والعادات الحسنة ,وقدرتها على إنشاء جيل قادر على التواصل الاجتماعى والاحتكاك بالثقافات الأخرى ,والاهتمام بالشباب ورعايتهم وتزويدهم بمستجدات العصر وتنمية الشعور بالولاء والانتماء للقومية العربية وللوطن.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي