المنظمات الدولية..بدأت بعد الحرب النابليونية بالمؤتمرات و الاتفاقيات.. وانتهت بكيانات ذات علاقات فاعلة

تقرير: نجوى إبراهيم
مثلما شهد العالم حالات صراع وحروب شهد أيضا حالات تعاون وتنسيق ما بين الدول، بلورت معالمه مع بدايات عصر التنظيم الدولي.
نشأت فكرة المنظمات الدولية الناشئة بداية من قبل الدولة اليونانية، وكان يتصورها كتاب أوروبيون مثل بيير دوبوا وإيميريك كروس، إلا أنها لم تظهر للعلن حتى القرن التاسع عشر، في نهاية الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر ،فكان القادة الأوروبيون يلتقون بشكل دوري، للحفاظ على أوضاعهم وحماية حكوماتهم من التمرد الداخلي، بعد ذلك الوقت تم إنشاء الكثير من المنظمات الدولية، مثل الاتحاد الدولي للبرق عام 1865م، وبعدها بعدة أعوام اجتمعت دول أوروبية وغير أوروبية لوضع قواعد لتنظيم حالات الحرب وإدارتها نتج عنها اتفاقيات لاهاي، كانت هذه الاجتماعات والاتفاقات المتنوعة كمقدمة للمنظمات الدولية في القرن العشرين، مثل عصبة الأمم والأمم المتحدة، بعدها أصبحت الأمم المتحدة محور المنظمات الدولية كافة وفقا للمؤلف “بيير جيربييه “فى كتابه المنظمات الدولية نشأتها وتطورها.. ترجمة محمد سليمان..فالمنظمات الدولية التي يعج بها عالمنا المعاصر ما هي إلا ثمرة تطور بطئ ومتواصل يرجع أصله إلى بداية القرن التاسع عشر، والذي كان قد تجسد تاريخيا خلال عدة مظاهر وهي:
أولا: المؤتمرات الدولية:
فقد وضعت الدول الاوربية بعد الحرب النابليونية فكرة ايجاد منظمات دولية وذلك عن طريق المؤتمرات ,فشهدت أوروبا عقد عدة مؤتمرات خلال فترة انهيار فرنسا ونفى نابليون خارج أوروبا وحتى الحرب العالمية الأولى ومنها مؤتمر فيينا عام 1815 للدول المنتصرة على نابليون ” بريطانيا، بروسيا، روسيا، النمسا ” وقد جاء هذا المؤتمر ليؤسس لمرحلة جديدة، هي مرحلة “الوفاق أو الإخاء الأوروبي”.
وبعد انتهاء الحرب، كما تقول “مريم الدماغ “الاستاذة بكلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة أم البواقى فى دراسة لها بعنوان المنظمات الدولية والاقليمية: أن بعد الحرب برزت الحاجة إلى وضع آليات جادة لحل الخلافات الناشئة بين الدول الأوروبية، وإرساء قواعد السلم من خلال خلق قنوات دائمة للاتصال، حيث عقدت سلسلة من المؤتمرات الدولية عرفت بنظام الوفاق الأوروبي (دبلوماسية المؤتمرات)، منها: مؤتمر برلين ١٨٧٨ الذي جمع القوى الأوروبية الكبرى و الدولة العثمانية بعد الحرب الروسية العثمانية، ومؤتمر لاهاي المعقود في عامي ١٨٩٩ و١٩٠٧ بخصوص توحيد قوانين الحرب وضرورة حل النزاعات الدولية بشكل سلمي، ومؤتمر لندن ١٩١٢-١٩١٣ ، الذي أسفر عنه توقيع معاهدة لندن وهي معاهدة سلام بين الأطراف المتحاربة في حرب البلقان الأولى وعلى الرغم من أهمية هذه المؤتمرات على صعيد التنظيم الدولي وتوحيد الجهود لتحقيق الأمن والسلام والتعاون الدولي،
ولكن هذه المؤتمرات لم ينطبق عليها وصف المنظمة الدولية بالمعنى المتعارف عليه خاصة أنها لم تعقد بشكل دوري، بل كانت متقطعة,وكانت تقد لغايات محددة وتنتهى بمجرد تحقيق الغرض منها ,وكانت تتسم بالصفة العلاجية للأوضاع المتوترة ,حيث كانت تعقد بعد وقوع الحرب ,وحتى فى حالة اصدار قرارات معينة لا يوجد أجهزة أو لجان لمتابعتها ولم تقدم حلول وقائية لتجنب حدوث أحداث متشابهة كما أنها لم تكن كافية لتحقيق الأمن والسلم والتعاون الدولي..
وصف البعض هذه المؤتمرات الدولية بالقول: “إن هذه المؤتمرات قد كانت مجرد دواء لأوروبا، وليست خبزها اليومي”، ولكن تأتى أهمية هذه المؤتمرات الدولية فى إنها أظهرت أهمية وجود منظمات دولية دائمة تتصف بالثبات والاستقرا,وبالفعل انبثقت المنظمات الدولية من رحم المؤتمرات الدولية وخاصة مؤتمر فينا، الذي أنهى وضعية سياسية مؤقتة (الحرب).
مؤتمر لاهاي
وفي مؤتمر لاهاي عام 1899 حتى 1907 تم التفكير فى تجاوز السلبيات السابقة والتفكير فى خلق آلية دائمة للعمل الجماعى المشترك ,ودعا القادة الأوربيين ألى أن تتحول هذه المؤتمرات إلى نظام دائم ومستمر ,لكن تم رفض هذا المقترح فى البداية ,ولكن تم اعادة طرحه مرة ثانية خاصة بعد إنشاء مؤسسات إقليمية متخصصة اقتصرت العضوية فيها على الدول الأوروبية فقط، ولكن نشاطها كان بعيدا عن السياسة ويقتصر على القضايا التقنية,وانت وقتها أغلب الدول تتمسك بمبدأ السيادة المطلقة وترفض عرض قضاياها السياسية على منظمات دولية.

من أمثلة المنظمات المتخصصة منظمة التحكيم الدولية التى جاءت نتيجة لكثرة المنازعات الدولية ,وأول معاهدة وضعت أسس التحكيم هى اتفاقيتى لاهاى ,وظهرت على أثرها محكمة التحكيم الدولية الدائمة عام 1900,وانشئت ايضا اللجان المنظمة للأنهار الدولية التى تنظم الملاحة فى بعض الأنهارالدولية مثل لجنة الدانوب عام 1856,ونشأت ايضا اللجان الانسانية كلجنة الصليب الأحمر,واتحاد البريد العالمى ,والاتحاد الدولى للنقل بالسكك الحديدية.
عصبة الأمم
ومع نهاية الحرب العالمية الأولى 1914-1918التى دمرت جزءا كبيرا من أوروبا وجه الرئيس الأمريكى ويلسون إلى الكونجرس الأمريكى عام 1918 رسالة تتضمن 14 نقطة يشير احداها إلى ضرورة إنشاء منظمة عالمية وظيفتها الحفاظ على السلام والأمن الدوليين والعمل على تحقيق الرخاء الاقتصادى والاجتماعى لصالح البشرية وتلك المنظمة هى عصبة الأمم.
وتم تأسيس عصبة الأمم بموجب ميثاق مؤسس يتكون من 26 مادة وكان هدفها الحد من التسلح وتحقيق السلم والأمن ..وكانت عصبة الأمم هى النواة الأولى للمنظمات الدولية.

وعلى الرغم أن الولايات المتحدة هى المحرك للدول المنتصرة فى الحرب على وجوب تكوين هذه المنظمة التى اتخذت جنيف مقرا لها عام 1920 إلا إنها رفضت الانضمان لها وهو ما تسبب فى تزايد المشكلات واضطراب الوضع الدولى والازمات الاقتصادية وعجزت عصبة الامم عن القيام بواجبها وحدثت اعتداءات متكررة من جانب بعض الأعضاء ضد آخرين مثل غزو ايطاليا للحبشة .
منظمة الأمم المتحدة
عاصر قيام المنظمات الدولية السابقة وخاصة عصبة الأمم تأسس العديد من المنظمات المتخصصة الدولية , وانتهى عصر عصبة الأمم مع انطلاق شرارة الحرب العالمية الثانية فى عام 1939 لتحل محلها الأمم المتحدة وليدة الحرب العالمية الثانية حيث قررت الجمعية العامة للعصبة تصفيتها وآلت كل ممتلكاتها وأموالها إلى الأمم المتحدة.

ومع تطور المجتمع الدولى وازدياد عدد الدول خرجت العلاقات الدولية هن دائرة الدول الاوروبية ,وتوسعت لتشمل دول جديدة خاصة الدول المستقلة حديثا فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والتي طالبت بإنشاء هيئة عامة تجمع هذه القوى السياسية الجديدة تقوم على مبدأ الأمن الاجتماعى والتعايش السلمى بدل الحرب وعقدت العديد من المؤتمرات التمهيدية لانشاء منظمة الامم المتحدة :مؤتمر الأطلسى 1941 ,واجماع موسكو 1943، طهران وبالطا وبوتسدام 1945. وكان العنوان الرئيسى لهذه الاجتماعات هو محاولة إيجاد ضيغة لتنظيم المجتمع الدولي.
دعت الدول إلى عقد ميثاق منظمة الامم المتحدة فى مؤتمر فرانسيسكو عام 1945 ,وتجنب واضعوا الميثاق الأسباب التى أدت إلى فشل عصبة الأمم,وذل باقرار التصويت بالاغلبية بدلا من الاجماع عند اتخاذ القرارات وحل المنازعات بالطرق السلمية.
وبذلك قامت منظمة الأمم المتحدة كنتيجة للحرب العالمية الثانية 1945، والتي جاءت بعدها جامعة الدول العربية في مؤتمر الإسكندرية1945،ثم منظمة الوحدة الأفريقية فى مؤتمر أديس أبابا فى عام 1963.
في الوقت الراهن أصبحت المنظمات الدولية إحدى الأدوات الدولية و إحدى الأدوات الفاعلة المهمة فى العلاقات الدولية المعاصرة.
تعرف المنظمات الدولية بأنها هيئات تضم مجموعة من الدول من خلال اتفاق دولى يهدف إلى تحقيق أغراض ومصالح مشتركة على نحو دائم ,وتتمتع هذه الهيئة بالشخصية القانونية والذاتيةالمتميزة عن الدول الأعضاء فيها فى المجال الدولى.
تعريف “ميشال فيرالي” للمنظمات الدولية وأهدافها ووظائفها
يُعرف ميشال فيرالي المنظمات لدولية بأنها جماعة من الدول، أُنشِئت بمعاهدة، ومزودة بأنظمة دائمة وقادرة على ضمان التعاون، لتحقيق الأهداف المتضمنة للصالح العام، الذي كان سبب تجمعها.
تتمتع المنظمات الدولية بمجموعة من الحصانات والامتيازات اللازمة لمباشرة وظائفها لحسن أداء عملها ,وتتمثل تلك الحصانات والامتيازات بصفة أساسية فى عدم خضوع المنظمة للتشريعات الوطنية للدول، وخصوصا تشريعات دولة المقر، ذلك أن التزامها بهذه التشريعات يؤدى إلى المساس بسلامة مباشراتها لوظائفها والإخلال بقاعدة المساواة التى يجب أن تسود العلاقات بين الدول الأعضاء,وفيما يتعلق بالتنظيم فتشتمل المنظمات الدولية على عدة أجهزة وهياكل ومؤسسات تم ارساؤها لتعمل بصفة مستمرة ودائمة وتمارس اختصاصاتها، ويحدد الميثاق وهو سند قانونى يعبر عن التقاء إرادة الدول الأعضاء، يحدد اختصاصات المنظمة وأهدافها ويحدد إمكانية إنشاء فروع لها.
ويشترط ألا يقل عدد الدول الأعضاء في المنظمة الدولية عن ثلاث دول لكن قد يزيد إلى 193 دولة كما فى حالة منظمة الأمم المتحدة ,وهناك أكثر من 250 من المنظمات الحكومية الدولية اعضائها دول,وأكثر من 6000 منظمة غير حكومية اعضاؤها مجموعات وأفراد.
ويشترط فى أعضاء المنظمات الدولية أن يكونوا دولا ذات سيادة كاملة ,حيث تقوم كل حكومة باختيار من يمثلها داخل المنظمة ,ويكون وضع المعاهدات المنشئة عمل قانونى من صلاحيات الدول ذات السيادة فقط.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي