الاستثمار التركي للقضية الفلسطينية باطل

تقرير: إيهاب أحمد
القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية، وتحظى باهتمام عربي و إسلامي لهذا الشعب المقهور و أرضه السليبة , لا تختلف الدول العربية جمبعها على دعم القضية و الدفاع عنها و طرحها كأولوية على طاولات المباحثات و المفاوضات و بعد طوفان الأصى أنبرى اللاعب التركي بلهجة خشنة ليعلن إدانة إسرائيل مطالبا القوى و المنظمات الدولية بوقف العدوان والمجازر و اكتفى بالخطاب الخشن تجاه إسرائيل.
فإذا أردنا أن نناقش الموقف التركي من البداية نجد أن تركيا و موقفها تجاه القضية الفلسطينية اتخذ أشكالاً ورؤى متباينة منذ تأسيس الكيان الصهيوني وإعلان قيام دولته وكان لتركيا مواقف وسياسات من تطورات الصراع العربي _الصهيوني تختلف بفعل المؤثرات الداخلية والخارجية ولكنها اتسمت بانحياز لإسرائيل تجسد باعتراف تركيا بهذا الكيان والاتفاقيات المتنوعة التي عقدت بين الطرفين طوال العقود التي سبقت وصول حزب العدالة والتنمية الى السلطة.
مواقف تركيا تجاه القضية الفسطينية
وبعد عام 2002 بدأت تركيا بعد وصول حزب العدالة والتنمية نوعاً جديدا في سياستها الخارجية ومواقفها تجاه قضايا المنطقة وكانت مساعيها دائما للعب دور الوسيط السياسي في القضية الفلسطينية، إذ رأت حكومة العدالة والتنمية نفسها في اختبار صعب فيما يتعلق بسياستها وموقفها الرسمي بين القضية الفلسطينية وتطوراتها، فقد وجد الحزب نفسه في حالة شد كبير بين المطرقة و السندان فالمطرقة هنا تتمثل في قاعدته الشعبية (الانتخابية ) والتي تميل بشكل قوي إلى دعم القضايا العربية الإسلامية ولاسيما القضية الفلسطينية وسندان المؤسسة العسكرية التركية تضغط باتجاه التعاون مع إسرائيل من حيث كونها أحد القوى الإقليمية الكبرى فضلا عن رغبة الحزب في علاقات متميزة مع أوربا، والانضمام إلى الاتحاد الأوربي، وعدم إثارة الموقف الأمريكي، كما إن التكوين العلماني والنفوذ الإعلامي القوي للتيارات الأخرى تعوق بناء سياسات منفتحة (إسلامية) أكثر وضوحا , كل هذه العوامل تلقي بتأثيرها في مواقف تركيا من القضية الفلسطينية وتطوراتها.
رد فعل أردوغان حول “صفقة القرن”
فقد خرج الرئيس التركي أردوغان على شعبه بعد إعلان “صفقة القرن” مُتباكياً على حال فلسطين وما يتعرض له الفلسطينيون من ظُلم واضطهاد، ومُتأسفاً على وضع القدس التي أصبحت تحت الهيمنة الإسرائيلية، ومُتهماً الدول العربية والإسلامية بعدم تباكيهم مثله على فلسطينهذا فِعلاً الذي جاء به أردوغان بحسب وكالة الأناضول في 31 يناير 2020 حيث قال: “لا نعترف ولا نقبل بهذه الخطة التي تدمر فلسطين بشكل تام وتحتل القدس بالكامل.. القدس هي مفتاح السلام العالمي كما كانت منذ آلاف السنوات، إذا سقط رمز السلام فإن مسؤولية ذلك يقع على عاتق العالم بأسره.

إن لم نتمكن من حماية خصوصية المسجد الأقصى، فلن نتمكن غداً من منع تحول عيون الشر نحو الكعبة، لذلك نعد القدس خطنا الأحمر.. إن ترك مصير القدس لمخالب إسرائيل الدموية سيكون أكبر أذى يلحق بالبشرية جمعاء. … أحزن عند النظر إلى مواقف الدول الإسلامية، وعلى رأسها السعودية، حيث لم يصدر منها أي تصريح رافض لصفقة القرن، فمتى سنسمع صوتكم؟.. إن مثل هذه الدولة المارقة إسرائيل التي تعدم الأبرياء في الشوارع، لا يمكن أن تكون في نظرنا دولة صالحة أبداً.”
استغلال القضية الفلسطينية لأغراض سياسية
حقيقة أننا أمام أردوغان المُستثمر السياسي الذي يستحدم مآسي الفلسطينيين والمُهاجم الدائم لمواقف العرب التاريخية تجاه القدس تضليلا و كذباً وتدليساً لمسيرة التاريخ بماضيه وحاضره. نعم إننا أمام أردوغان الذي اعتقد بأن استخدامه للكلمات والعبارات العاطفية وتوظيفه للشعارات والرموز الإسلامية سيغير حقائق التاريخ التركي المتآمر على فلسطين والفلسطينيين، أو يمحو من سجلات التاريخ التهاون التركي – العثماني الكبير تجاه الهجرة اليهودية إلى فلسطين وما تبعها من سياسات أدت فيما بعد إلى تهويد القدس وباقي الأراضي الفلسطينية. إنه التاريخ المعيب للدولة التركية -العثمانية تجاه فلسطين والفلسطينيين الذي يريد أردوغان محوه من الذاكرة العربية والإسلامية؛ وإنه الواقع المُخزي للسياسة التركية – وريثة العثمانية – تجاه فلسطين والفلسطينيين الذي يريد أردوغان التغطية عليه، و لفت أنظار العرب والمسلمين عن رؤية حقيقته و هو واقع السياسة التركية-العثمانية بماضيها المُعيب وحاضرها المُخزي التي أدت إلى كل هذه المآسي الإنسانية التي يعاني منها الفلسطينيون تحت الاحتلال الصهيوني الذي يمارس تجاههم شتى أنواع الظلم والقهر والاستبداد.
السياسة التركية العثمانية ودورها في هجرة اليهود فلسطين
هذه هي السياسة التركية -العثمانية التي هيأت الظروف المُلائمة والمناسبة للهجرة اليهودية إلى فلسطين خصوصاً خلال القرن التاسع عشر عندما كانت تحتل الوطن العربي وتسيطر على خيراته ومقدراته على مدى ستة قرون من الزمان إنها السياسة “التركية -العثمانية” المُتسامحة مع الهجرة اليهودية والتي زادت في تسامحها كثيراً في عهد عبدالحميد الثاني خلال فترة حكمه من 1876 إلى 1909م لتشهد عمليات الهجرة اليهودية إلى فلسطين بكثافة لم تكن مسبوقة من قبل خصوصاً خلال العشر سنوات من 1881 إلى 1891م. وبالإضافة إلى هذه السياسة المُتسامحة مع الهجرة اليهودية الكثيفة إلى فلسطين تطور الأمر من حالة التسامح إلى حالة التآمر العملي على الأراضي الفلسطينية وكذلك السياسة المُمَنهجة القائمة على تسهيل الهجرة اليهودية، سياسة تركية – عثمانية أخرى تقوم على التدمير والتجهيل المُمنهج للوطن العربي، والاستهداف المباشر للعرب بالتهجير والترحيل مع انعدام الخدمات التعليمية والصحية، ندرك تماماً بأن قيام دولة إسرائيل على أسس يهودية إنما هو نتيجة لتلك السياسات التركية – العثمانية التي قامت على عنصرين أساسيين هما:
(1) فتح الباب للهجرة اليهودية ومنحها الامتيازات الكاملة المتضمنة الحق في التعليم والصحة والسماح باستثمار الأموال والخبرات
(2) تدمير وتجهيل وتهجير العرب لكي لا يعارضوا السياسة التركية -العثمانية ولا يستطيعوا مقاومة الهجرة اليهودية إلى أرض فلسطين.
تأثير السياسة التركية العثمانية على فلسطين
وكانت النتيجة الطبيعية لهذه السياسات التركية – العثمانية المُتماهية مع المؤامرة الصهيونية تجاه فلسطين، جاء اعتراف تركيا بقيام دولة إسرائيل مُبكراً جداً، وقبل أن يمضي عام على إعلان قيامها، حيث أعلنت ذلك في مارس 1949 هذا الاعتراف السريع، بحد ذاته، يدُل بأن هناك مؤامرات ومخططات كبيرة تم الاتفاق عليها خلال القرن التاسع عشر بين الأتراك – العثمانيين مع اليهود والصهاينة لتنفيذها على أرض فلسطين بشكل خاص، والوطن العربي بشكل عام حتى يتحقق الحلم اليهودي بقيام دولتهم على أرض فلسطين وهذا هو ماحدث بالفعل في العقود التالية للقرن التاسع عشر. لذلك فإنه ليس مستغربا ما نشاهده في وقتنا الحاضر من حميمية العلاقات التركية – الإسرائيلية على كافة المستويات وفي كل المجالات السياسية والدبلوماسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية والتجارية والاستثمارية والصناعية، وفي مجالات الطيران والخدمات وغيرها من مستويات ومجالات متعددة ومتنوعة ومتشعبة. إنه الواقع القائم و الحقيقة المُخزية التي يريد أردوغان طمسها والتغطية عليها بالخطابات الثورية والشعارات الإسلامية والكلمات العاطفية.
وفي محاولة لرصد بعض ما نشر بشأن الموقف النركي تجد التالي:
يقول موقع “المونيتور” الأميركي يقول أن أنقرة تحاول “موازنة” موقفها بعناية في مواجهة الحرب التي شنتها حماس على إسرائيل يوم 7 أكتوبر، مع تبريد العلاقات مع حركة حماس إذ ضربت الأزمة في وقت يسعى فيه الرئيس التركي أردوغان إلى التطبيع مع القوى الإقليمية بما في ذلك إسرائيل بعد سنوات من الخلافات الثنائية، حيث سبق وأن التقى مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك ، ودعاه لزيارة أنقرة.
كذلك أوضح الموقع أنه يمكن الآن ملاحظة أن العلاقات الوثيقة بين حكومة أردوغان وحماس قد تم دفعها إلى الزاوية الآن، وعلاوة على ذلك “يمكن أن نتوقع ضغوطا أميركية متزايدة على أنقرة لقطع العلاقات مع حماس بعد أن يهدأ الغبار”.
بالنسبة للغرب، تمثل تركيا في الوقت الحاضر شريكا يمكنه التحدث مع حماس، خاصة مع النداءات التي تم توجيهها إلى أنقرة وطلبت وساطتها من أجل إطلاق سراح الرهائن الأجانب الذين تحتجزهم الحركة في قطاع غزة، ما منح الرئيس التركي الفرصة للعب الدور الذي كان يأمل فيه.
خلافا لانتقاداته اللاذعة ضد إسرائيل في الماضي، حرص أردوغان على ضبط خطابه هذه المرة حرصا على عدم تعريض المرحلة الجديدة التي يشهدها مع إسرائيل للخطر.
كما اعتبرت تقارير أخرى، أنه مع الساعات الأولى من الهجوم الذي شنته حماس، لجأت أنقرة لاستخدام لهجة “محايدة”، حرصت من خلالها على عدم توجيه أصابع الاتهام إلى إسرائيل أو حماس.
ما يُظهر تلك اللهجة المُحايدة، أنه مع إدانة أردوغان للحكومة الإسرائيلية في هجومها على قطاع غزة والمطالبة بوقف القصف الجوي المتواصل، فإنه طالب الفلسطينيين في نفس الوقت بـ”وقف تحرشاتهم ضد التجمعات السكنية المدنية في إسرائيل”.
وإزاء تلك اللهجة، نقل “المونيتور” عن مصدر فلسطيني قوله إن الفصائل الفلسطينية، بما في ذلك حماس، غير راضية عن موقف تركيا، وتعتبر بياناتها غير كافية لدرجة “أنهم لم يستدعوا السفير الإسرائيلي في وزارة الخارجية”.
ونقلت التقارير الغربية، أن إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحماس، كان في اسطنبول عند تنفيذ هجوم “طوفان الأقصى”، لكن “تم إبعاده بأدب” بعد نشر لقطات على وسائل التواصل الاجتماعي تظهره وأعضاء آخرين في حماس يسجدون شكرا أثناء مشاهدة أخبار التوغل على التلفزيون.
وجدير بالذكر أن مركز مكافحة التضليل التابع للرئاسة التركية، نشر تغريدة عبر منصة “إكس” شدد فيها على أن “الادعاءات بأن الرئيس التركي أمر كبار المسؤولين في حماس بمغادرة تركيا على الفور، عارية من الصحة تماماً”
وكتب ستيفن كوك، الخبير في شؤون الشرق الأوسط في مجلس العلاقات الخارجية، وهو مركز بحثي في واشنطن، إن “أردوغان لم يهدد بالتدخل في الصراع، إذ يتحدث بشكل عام عن دفع العالم على الضغط على إسرائيل لوقف حملتها العسكرية”.
لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي
