عاجلمقالات

مـحـمـود عـوض يكتب:( 2) الـنـبـي مــحـمـد: “لا أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله”

 

كان رسول الله متوسط الطول، عريض المنكبين، واسع الصدر، غزير الشعر، كثيف الحاجبين بينهما عرق يدره الغضب، أكحل العينين، تام الاذنين، ضليع الفم، طويل الأنف، سهل الخدين، منفرج الاسنان، ضخم اللحية، غليظ الكفين، أشعر الذراعين والصدر، بين كتفيه خاتم النبوة.

توفاه الله وليس في رأسه ولحيته إلا عشرون شعرة بيضاء، سريع الخطوات، إذا مشى فجسمه يميل إلى الأمام، وإذا التفت فبجسمه كله، وإذا زار أحد لا يقوم حتى يستأذنه، إذا لقى أحدا يبدأه بالسلام، لم يره أحد قط مادا رجليه بين أصحابه، لم يتنفس في إناء، لم ينفخ في طعام أو شراب، إذا صمت فعليه الوقار، إذا تكلم سما.

ورسول الله لم يكن يتكلم إلا عن ضرورة، إنه متواصل الأحزان دائم التفكير، ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، يفتتح الكلام ويختمه بألفاظ سليمة المخرج، واضح النبرات، دمث، ليس بالمتكبر ولا بالمتصاغر، يعظم النعمة وإن قلت ولا يذم منها شيئا ولا يمدحه.

إذا تعرض للحق لم يعرفه أحد، إذا غضب لحق لا يقيم شيئا حتى ينتصر له، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، إذا أشار فبكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، إذا غضب أعرض وأشاح، إذا مزح غض طرفه، قليل الضحك ، كثير الابتسام، قريب من قلوب جلسائه.

إن مجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تنتهك الحرمات، ولا ترتكب الزلات، مجلس يتفاضل فيه الناس بالتقوى، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
محمد رسول الله هو ــ في هذا كله ـ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، انه ليس فظا ولا غليظا ولا عيابا ولا مداحا، إنه لا يقطع على أحد حديثه، لا يقبل ثناء إلا من مقتصد، لا يغضبه شيء بسيط ولا يستفزه، يتحدث بالحسنى، يستمع بصبر. يناقش بهدوء، يستمع باهتمام، إنه رسول.

والرسول يجب أن يكون قدوة، القدوة يجب أولا أن تكون قدوة في الأخلاق والصفات، لهذا قال رسول الله: “وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.
في القرآن الكريم نقرأ: “وإنك لعلى خلق عظيم”
وفى صحيح مسلم نقرأ لرسول الله: ” إن الله اصطفى قريشا من بني إسماعيل، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم “.

وفي كل مرة سئلت فيه عائشة أم المؤمنين عن خلق رسول الله قالت : ” كان خلقه القرآن .. يرضى لرضاه ويسخط لسخطه”.
إن محمد رسول، إنه نبي، ولكنه إنسان، والإنسان قد يطغى، وقد يظلم ، وقد يسيء التصرف، الإنسان قد ينادى بشعار .. ثم لا يطبقه، قد يدعوا لمبدأ، ثم لا يمارسه، وقد ينطق بالعدل، ولكنه يتصرف بهوى.

لهذا فإن محمدا كان حريصا على أن يسد هذه الفجوة، إن له معركة لنشر رسالته، ولكن معركته الأولى هي أولا مع نفسه، إن دعوته، رسالته، مبادئه، لا قيمة لها ما لم يكن هو أولا خاضعا لها ومطبقا لتعاليمها.
لهذا يقول محمد لأصحابه بعد عودته من الغزو: “مرحبا بكم قد قدمتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس”.
ومرة أخرى يقول سائل لرسول الله: أي الجهاد أفضل؟ فيرد الرسول: جهادك هواك.
إن محمدا يكرر هذا المعنى في كل إجابة، في كل مجلس، في كل مناسبة، لكنه أيضا حريص على أن يبدأ بنفسه، ويجاهد نفسه في كل دقيقة وكل تصرف.

قال رجل مرة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” يا سيدنا وابن سيدنا … ” .
ولكن الرسول يرد فورا على الرجل وغيره فيقول : ” يا أيها الناس، لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، والله لا أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله”.

وعندما مات ابنه إبراهيم كسفت الشمس ساعتها، قال الناس: “إن الشمس كسفت لموت إبراهيم”.
ولكن الرسول يقوم في المسجد ويقول بأعلى صوته: “إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينكسفان لموت أحد أو حياته، فإن رأيتم ذلك فادعو الله وصلوا وتصدقوا ” .
إن محمد أب، إن موت ابنه إبراهيم هو بالنسبة له صدمة لا يعرفها إلا كل أب، ولكن محمدا هو أيضا قائد، إنه القائد الرسول، والرسول صاحب الرسالة، وصاحب الرسالة قدوة.

إنه يرفض وهما خلقته الصدفة، يرفض إطراء لا يحتاج إليه، يرفض مديحا لا يريده، إنه صاحب دعوة، وصاحب الدعوة نموذج، والنموذج الأصيل يريد لأمته الصراحة لا النفاق، إنه يستمد قوته من عقول الناس، لا من أوهامهم ونفاقهم.
يـتـبـع

 

لمزيد من الأخبار زوروا موقعنا: الوسط العربي وللتواصل الاجتماعي تابعنا على فيسبوك الوسط العربي

زر الذهاب إلى الأعلى