بين معارضة الأمس وصمت اليوم.. لماذا غابت المعارضة الحقيقية في العراق؟

مراقب عراقي
حين كان النظام الوطني السابق قائماً، تجمّعت كل القوى السياسية ضده، الإسلامية، القومية، الكردية، اليسارية، والعلمانية. كانوا مختلفين فكرياً، لكنهم اتفقوا على هدف واحد وهو إسقاط النظام. أما اليوم، وبعد أكثر من عقدين على تغيّر السلطة، نرى مشهداً مختلفاً تماماً، لا توجد معارضة حقيقية، لا داخلياً ولا خارجياً. السبب بسيط، مساحات الحرية الشخصية إتسعت، والمال العام مستباح، والصفقات مفتوحة، والحصة مضمونة لمن يسكت أو يشارك، فلا أحد مستعد أن يضحي بمكاسب شخصية من أجل موقف وطني، فالمعارضة العراقية الحالية مغيّبة تماماً، ولا تجد اعترافاً عربياً أو دولياً، بينما المعارضة السابقة التي جاءت من “واشنطن ولندن” كانت تحظى بدعم غير محدود لأنها أداة مناسبة لمشروع الهدم وإعادة تشكيل العراق وفق مصالح القوى الكبرى، واليوم لا يزال النظام الطائفي المحاصصي يعمل وفق ذلك المشروع وينفذ متطلباته دون مقاومة، حتى القوى التي تسمي نفسها علمانية أو تقدمية لم تحصل على شيء، فان “زادها فقير” كما نقول، وصوتها ضعيف، وقاعدتها الشعبية ضئيلة، لكن المشكلة ليست في السلطة وحدها.. هناك عيب واضح في المجتمع أيضاً، فعندما تخسر دولة مثل العراق ثمانين أستاذاً جامعياً في الانتخابات، ويمرون بلا مقعد ولا تأثير، بينما يفوز ستون شخصاً من العصابات وأصحاب السلاح المنفلت، فهنا لا يمكنك أن تلوم السلطة فقط، هذا فشل شعبي في معيار الاختيار وتقدير الكفاءات. إنها العلامة الأخطر! حين ينتصر المال على الشرف، والجهل على العلم، والسلاح المنفلت على السلم المجتمعي، فإن المجتمع يفقد بوصلته، ويصبح جزءاً من المشكلة بدل أن يكون بداية الحل. بالمختصر، غياب المعارضة اليوم ليس لأن النظام قوي، قطعاً لا، بل لأن المجتمع أُنهِك، والمصالح تداخلت، والمال السياسي اشترى الجميع. وحتى تعود المعارضة، يجب أن يعود أولاً الشعور بالمسؤولية،
وتعود الثقة بأن هذا الوطن يستحق أن يُدافَع عنه، لا أن يُباع في موسم الانتخابات.
