تحول جذري غير مسبوق في الرأى العام الأمريكي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

المحرر السياسى
كشف تحليل بيانات أجراه هاري إنتن في (سى أن أن ) عن تحول جذري غير مسبوق في الرأى العام الأمريكي تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي عما كان عليه بداية الأزمة فى 2023 .
فقد استحوذت فلسطين على تعاطف الرأى العام الامريكى ما اعتبر تحول تاريخى بنية التعاطف السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث ظهر ذلك التحول داخل الحزب الديمقراطى صفوفه بفارق 26 نقطة لصالح دعم للفلسطينيين بفارق 46 نقطة، أي قفزة بـ72 نقطة التى تعكس بنية الصراع داخل الحزب على يد الجيل الجديد.
ورغم بقاء الأغلبية مع إسرائيل داخل الحزب الجمهوري، ؛ اتسّعت الفجوة الجيلية بوضوح: مَن فوق الخمسين يدعمون إسرائيل بفارق 66 نقطة، مقابل فارق 25 نقطة لمن هم تحت الخمسين. ينتج ذلك عن شقّ داخل اليمين الأمريكي بين افكار قديمٍة تحكمها سردية الحرب الباردة، وافكار تتشكل في فضاء عالم السوشيال ميديا وحروب البث الحى
هذا التغير في المزاج الشعبي ينعكس أيضًا في موقفٍ عامّ يتجاوز الاصطفاف السياسي التقليدي؛ إذ يُظهر استطلاع رأي أجرته جامعة هارفارد الأمريكية بالتعاون مع مؤسسة هاريس، أن ما يقارب 60% من الشباب الأميركيين المنتمين إلى جيل z (مواليد منتصف التسعينيات حتى مطلع الألفية) يفضلون حركة حماس على إسرائيل بعد الإبادة في غزة، التي أصبحت الرغبة في إنهائها مطلب سياسي متقدم لا مجرد خطاب أخلاقي أو هامشي. إلا أن القراءة الأعمق لما يجري لا تتعلق بهذه الخطة أو بمضمونها، بل بكونها نتيجة ضغطٍ اجتماعي وسياسيٍ جديد، تعيد رسم حدود الخطاب الغربي كله وليس فقط الأمريكي تجاه فلسطين.
ذلك التحول يتجاوز ميزان التعاطف إلى بنية الرؤية نفسها: فلسطين تتحول من “ملف أمني إسرائيلي” إلى سؤال سياسي عالمي يعاد تعريفه من داخل الرأي العام، لا من فوقه. وهو ما عبر عنه إبراهيم نصر الله في شرفة الفردوس وهو يقول “وما نحن إلا أناس لا مرايا لهم، رسَموا لنا صورنا فصدّقناها”. فالعالم ظلّ يرى الفلسطيني كما تُريه إيّاه المرايا المصنوعة في غرف السياسة والإعلام الغربي، لكنَّ جيلاً جديدًا – أكثر اتصالًا وأكثر شكًّا في السرديات الرسمية .
تظهر الجامعات الغربية ألان مركز هذا التحوّل. فالحركة الطلابية التي اجتاحت الجامعات الأمريكية وأوروبا منذ خريف 2023 أعادت فلسطين إلى قلب السياسة الطلابية والأكاديمية، وربطت نضالها بالحركات المناهضة للعنصرية والعنف الشرطي، من حياة السود مهمة، إلى حقوق الشعوب الأصلية.
جيل ولد في ظل البث المباشر للحروب، لا يخاف الصور كما خافها جيل الحرب الباردة. استخدم الشباب السوشيال ميديا لكسر الرقابة المؤسسية التي كانت تحتكر السرد. فبدلًا من رواية رسمية واحدة تبث عبر القنوات الغربية، ظهرت آلاف الروايات على تيك توك وإنستجرام ويوتيوب، جعلت من المذابح اليومية مادة مرئية يصعب تجاهلها. هذه الموجة الرقمية لم تخلق تضامنًا عاطفيًا فحسب، بل أيضا حراك معرفي جديد يرى فلسطين بوصفها مرآةً لظلم عالمي واحد.
انتقال التضامن من الميدان الشبكي إلى التضامن مع سقوط الهيمنة التقليدية على السرد في الفضاء الرقمي كان توسيعًا للأدوات. الشباب الذين فقدوا القدرة على النزول إلى الشوارع في بلدانٍ تقمع الحراك وجدوا في الإنترنت ساحاتٍ جديدةً للمقاومة. مجرد رفع علم أو كتابة “نكبة” صار فعلًا سياسيًا، والإصرار على إبقاء فلسطين مرئية ومسموعة تحول إلى تحد يوميٍ لرقابة المنصات. الإعلام المستقل والفضاءات البديلة أعادا صياغة القصة من الداخل، فصار الخطاب المركزي الغربي في موضع الدفاع لأول مرة منذ عقود.
وحتى داخل المجتمعات اليهودية نفسها، شهد العالم تحولًا لافتًا. فاليهود الذين ظلّوا طويلًا أسرى ابتزاز الخطاب الصهيوني انبثق من بينهم اليوم تيار تقدّمي واسع، لا يربط يهوديته كدينٍ وثقافة إنسانية بالصهيونية كمشروعٍ استعماريٍ عنصري. حركة “يهود ضد الإبادة” ليست استثناء، فهي نموذج لجيلٍ يرى في الدفاع عن فلسطين دفاعًا عن العدالة، لا عداءً للسامية. هذا التحوّل ترافق مع عودة النقاش حول الجماعات اليهودية العربية التي طُمست سردياتها بفعل المشروع الصهيوني، ومعها فكرة إعادة إدماج اليهود الشرقيين في الرواية الفلسطينية كجزءٍ من مشروع تحرّر مشترك. هنا يصبح تفكيك الصهيونية من الداخل فعلًا ثقافيًا وسياسيًا في آن واحد.
يتواكب هذا التحول مع تمدٍ ثقافيٍ عالميّ في ميادين الفن والرياضة، فالملاعب تحولت إلى فضاءات تضامن صريحٍ مع فلسطين، رغم التهديدات والعقوبات، وأصبحت لافتات “الحرية لغزة” مشهدًا مألوفًا في ملاعب الكرة الأوروبية والأمريكية. وفي السينما والموسيقى والأدب، باتت الرموز الفلسطينية جزءًا من التعبير العالمي عن العدالة. أعمال مثل أفلام آن ماري جاسر، وأغاني الشباب الفلسطيني في الشتات، ورواياتٍ ترجمت لعشرات اللغات، حملت السردية الفلسطينية إلى جماهير جديدة.
لا يمكن فصله هذا المشهد الثقافي عن البعد الاقتصادي والسياسي الميداني للمقاطعة العالمية. حركة BDS اليوم واحدة من أقوى أدوات الضغط الشعبي على الحكومات والشركات الكبرى. وأصبح سحب الاستثمارات من إسرائيل أو وقف التعامل مع شركات تزوّد الاحتلال بالسلاح فعلًا سياسيًا ذا أثر حقيقي. وبلغ تأثير المقاطعة حدا دفع برلمانات أوروبية إلى سن قوانين تمنع تمويل منظماتٍ تدعمها أو تُجرّم المقاطعة نفسها، في دلالة على نجاحها في اختراق بنية القرار الغربي. ومع كل محاولة لتجريمها، يزداد انتشارها في الجامعات والنقابات والمتاجر الإلكترونية، حتى باتت ساحة اشتباك رمزي واقتصادي معا.
واجهت الأنظمة العربية الموجة الجديدة من الدعم الشعبي بحملات اعتقال ومنع متكررة: من احتجاز المتضامنين مع أسطول الحرية، إلى منع قوافل الإغاثة من العبور إلى غزة، إلى تضييقٍ أمني على الفعاليات الطلابية في القاهرة وعمان وبيروت. بل إن التضامن ذاته أصبح في بعض الدول جريمةً يعاقب عليها القانون. في المقابل، تحول أسطول الصمود وأشباهه إلى رموزٍ للمثابرة المدنية العابرة للحدود، حيث يجتمع متطوع
