نحن والغرب

ترامب يقع في غرام ممداني

هكذا وصفت مذيعة قناة MSN المؤتمر الصحفي الذي عقد في مكتب الرئيس الأمريكي بعد إنتهاء اجتماعه مع عمدة نيويورك القادم ممداني، ويمكننا ملاحظة النقاط التالية:

1- صدقت المذيعة في وصفها رغم أنها لم تستخدم لغة إعلامية مهنية، لكن مدي الألفة والسرور الذي كان يتكلم به ترامب عن العمدة القادم وعن اللقاء قد أغراها لتقول هذا، وقد كرر ترامب إعلان رغبته في أن ينجح ممداني، وأنه سيساعده علي النجاح، وأن أمام العمدة القادم فرصة كبيرة لأن يفعل أشياء ضخمة ويمكنه أن يكون حاكماً عظيماً لنيويورك 

2- اللقاء كان أهم أحداث اليوم في أمريكا، وقد قال ترامب في دهشة أن في الخارج عدداً كبيراً من الصحفيين بجانب من سمح لهم بالدخول، وقال ضاحكاً أن كبار قادة ورؤساء وملوك العالم يزورون البيت الأبيض فلا يحظون سوي بعدد قليل جداً من الصحفيين، لا أحد يهتم بهم، ولكن اليوم من الواضح أن اهتمامهم كبير جداً 

3- من علامات شخصية ترامب التي كانت واضحة منذ بداية حملته الأولي هو اعجابه الكبير بالرجال الأقوياء أياً كانت أفكارهم وممارساتهم، وعليه كان اعجابه المثير لدهشة الكثيرين ببوتين دكتاتور روسيا وبين جان أون دكتاتور كوريا الشمالية، وكذلك بحكام الدول العربية الأقوياء غير الديمقراطيين، ومؤخراً أبدي اعجابه برئيس سوريا الجديد الشرع، وقد وجد اليوم في ممداني رجلاً قوياً، وقد لاحظ أحد المذيعين أنه رغم أن ترامب كان يجلس علي مكتبه بينما وقف ممداني بجواره، فبدا لأول وهله كأنه أحد الموظفين – staffers – لكنه ما أن فتح فمه وتكلم “حتي استولي علي المشهد” وأثبت أنه لم يتخلي عن أفكاره ومواقفه، فبدا أكثر قوة من كثيرين يزورون ترامب ويقفون أو يجلسون أمامه في إتضاع أو خوف أو قلق، ويحاولون التملص من أقوالهم السابقة 

4- من خصال ترامب أيضاً أنه رجل عملي إلي أقصي حد، وبلا مباديء يمكن أن تحد من مرونته، ولذلك تجده بالأمس يصف ممداني بالشيوعي، واليوم يصفه بأنه رجل عقلاني Rational وأنه يتفق معه في أشياء كثيرة، الدرس هنا هو أن لا تقف كثيراً أمام ما يقولh ترامب، فهو يقول ما يخطر علي باله في اللحظة دون تفكير كبير مسبق، ولا تعني كلماته أنها أحكام ثابتة مؤبدة، ولذلك ستجهد نفسك وتخذلها لو اعطيت لكلماته وزناً كبيراً، فلا شيء لدي ترامب لا يمكن المساومة عليه مقابل صفقة مفيدة مغرية. 

5- حتي عندما سأل صحفي ممداني ماذا عن وصفه ترامب بأنه فاشي وطاغية، وكان ممداني علي وشك أن يعترف أنه قال هذا فعلاً، قاطعه ترامب ولمس ذراع ممداني ضاحكاً قائلاً لا تحتاج أن ترد علي هذا فسكت ممداني موفراً علي نفسه مشقة تفسير هذه الصفات الصعبة، وقال ترامب أن آخرين وصفوه بأبشع من هذه الأوصاف، وكان يضحك، ولأنه هو نفسه لا يمنح كلماته وزناً كبيراً فهو أيضاً لا يمنح كلمات الآخرين عنه وزناً كبيراً 

6- قال عدة معلقين أن هذا التوافق الواضح في المزاج والكلمات المتبادلة قد لا يدوم سوي أياماً قليلة، وأن المحك هو فيما سيحدث بعد ذلك حين يبدأ العمدة القادم في تطبيق سياساته الإشتراكية، وفي هذا علينا أن ننتظر ليكون حكمناً سليماً. 

7- أهم ما نخرج به من هذا اللقاء الذي وصفه ترامب بأنه كان ناجحاً ومفيداً جعله يغير موقفه من ممداني أن هذا الشاب المقبل علي قيادة أهم مدينة في العالم اليوم لديه موهبة فريدة في التواصل مع الناس سواء كانوا من العامة أو من النخبة، وأنه قادر علي لمس قلوبهم وعقلوهم ليس بمداهنتهم أو بالتخلي عن مبادئه ولكن بالحديث العقلاني الإنساني وبقوة وشجاعة الضمير اليقظ، وبهذا يجبر الآخرين عي احترامه حتي لو اختلفوا معه، هذه الدرجة من الصدق والمصارحة هي ما يتعطش له الأمريكان اليوم، وهي ما جعلهم يعجبون بترامب في اسلوبه المباشر حتي لو كان صادماً،

8- نتيجة أخري هامة جداً لهذا اللقاء هو أن كلمة إشتراكي لم تعد كلمة بذيئة سياسياً، فها هو الإشتراكي ينجح ليس فقط ليصل إلي كرسي حكم نيويورك ولكن أيضاً ليسرق قلب ولب الرأسمالي رجل الأعمال الأشهر في نيويورك وأمريكاً والعالم اليوم، وبالتالي لا استغرب أن نجد الكثيرين في الحزب الدمقراطي يتخذون مواقف مشابهة يعلنون فيها سياسات إشتراكية لصالح الشباب الأمريكي الذي عاني من تكلفة العيش 

9- هل لممداني مستقبل بعد نيويورك وخارجها؟ سؤال طرحوه فقال ممداني أن كل تركيزه اليوم هو علي نيويورك، بينما ضحك ترامب ولم يظهر إمتعاضاً مكرراً أن أمام هذ الشاب – وهو أصغر من سن أولاد ترامب بكثير – فرصة حقيقية لأن يصنع شيئاً كبيراً 

10- لم يتكلم أحد عن كون ممداني مسلماً، رغم أن هذا كان حديثهم الدائم خلال هجوم الكثيرين عليه في وسط معركته الإنتخابية، فالدرس للجميع هو أن يخرجوا أخيراً من كهف الفكر الضيق الذي لا يري في الناس سوي معتقداتهم وأديانهم التي ولدوا عليها دون إختيار ولا فضل ولا ذنب، وكما كتبت من قبل عن ممداني أنه لا يمثل المسلم التقليدي ويختلف عن معظم المسلمين سواء في أمريكا أو الشرق الأوسط في تربيته ونشأته وأفكاره وهواياته وعائلته وزوجته ، هو لا يتنكر لتراثه ودينه لكنه لم ينجح بسبب دينه ولا سيحكم نيويورك بأحكام دينه، فالدرس الأكبر هنا هو أن الديمقراطية هي من تسمح لأكثر الناس موهبة وكفاءة للصعود إلي مقاعد الحكم، وبهذا تصعد بهم مجتمعاتهم وبلادهم.

زر الذهاب إلى الأعلى