خطة ترامب .. إنقاذ لأوكرانيا أم انتصار لروسيا؟

كتب مصطفى السعيد
تبارت الصحف الأمريكية والأوروبية في نشر بنود «خطة ترامب للسلام في أوكرانيا»، وأهم بنودها الإقرار بسيادة روسيا على إقليم الدونباس وإبقاء السيطرة على أراضي زابوريجيا وخيرسون، وتقليص عدد وأسلحة الجيش الأوكراني، وعدم انضمام أوكرانيا لحلف الناتو، وأن تعود اللغة الروسية لغة رسمية، وعدم المساس بارتباط الكنيسة الأرثوذكسية الأوكرانية بالكنيسة الروسية، وإقامة منطقة منزوعة السلاح، ووضع قوات لحفظ السلام، ومنح روسيا وأوكرانيا ضمانات أمنية من جانب الولايات المتحدة وأوروبا.
هذه البنود تتجاوب مع المطالب الروسية، لكن أسئلة كثيرة تدور حول التوقيت والمواقف من الخطة والتداعيات، فلماذا لم يتم الإعلان عن الخطة عقب قمة ألاسكا بين الرئيسين ترامب وبوتين؟ وماذا عن موقف روسيا وأوكرانيا وأوروبا؟ الملاحظ أن تسريب بنود الخطة ترافق مع أسرع تقدم للقوات الروسية منذ بداية الحرب، والذي يكشف عن علامات انهيار في القوات الأوكرانية.
وترافق الهجوم الواسع الروسي مع أشد ضربات بالصواريخ والطائرات الحربية والمسيرة على مراكز إنتاج ونقل الطاقة، وإلحاق دمار واسع فيها، سيجعل شتاء أوكرانيا لا يحتمل، بالإضافة إلى تدمير لقطارات وخطوط السكك الحديدية والجسور، بما يعرقل وصول الإمدادات للقوات الأوكرانية، وارتفاع معدلات هروب الجنود الأوكرانيين، وفرار المطلوبين للتجنيد خارج أوكرانيا وفي المقابل جهزت روسيا قوات إضافية ستدفع بها إلى جبهات القتال، وكل هذه العوامل تعمل على قرب انتصار روسيا، وهو ما يضع الغرب أمام خيارين أحلاهما مر، فإما أن يخوض حربا مباشرة مع روسيا، أو الإذعان للشروط الروسية. وكانت دول أوروبا قد اتخذت خطوات نحو الاستعداد للحرب المباشرة مع روسيا، من رفع ميزانيات التسلح، وتعزيز إنتاج الأسلحة والذخائر، وإجراء مناورات، وإعداد الطرق والجسور والمستشفيات، لكن رغم هذا التلويح الأوروبي بالحرب فإنه من الصعب أن تنخرط فيه بالفعل، لأن جيوشها مازالت ضعيفة، اعتمدت طويلا على حماية القواعد الأمريكية، وترامب لا يريد التورط في أي مواجهة عسكرية مع روسيا، ولهذا فإن أوروبا ستدفع ثمنا باهظا إذا قررت خوض الحرب وحدها دون أمريكا، بينما أبدت روسيا جاهزيتها واستعدادها لحرب واسعة، بل استفزت دول الناتو وخرقت أجواءها مرارا، وهددت بضرب أي دولة تزود أوكرانيا بأسلحة تستهدف العمق الروسي، لتتراجع كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة عن إمداد أوكرانيا بصواريخ بعيدة المدى، لهذا كان خيار الرئيس ترامب تلبية مطالب روسيا، فكل التوقعات تؤكد أن روسيا قادرة على ضم ضم مقاطعات جديدة إذا استمرت الحرب حتى الربيع المقبل، وستكون أوكرانيا حينئذ مهددة في وجودها، لهذا جاءت خطة ترامب لتقطع الطريق أمام توسع روسيا في أوكرانيا، لكن أوروبا مازالت تواصل الاستعلاء، وكان توقيع الرئيس الفرنسي ماكرون مع زيلينسكي على صفقة طائرات رافال أحد مظاهر العناد الأوروبي البعيد عن قراءة موازين القوى على الأرض، فالصفقة تحتاج إلى سنوات لتنفيذها، وأموالها غير موجودة، وأوروبا تعاني أشد الأزمات الاقتصادية والانقسامات السياسية منذ الحرب العالمية الثانية، ومعظم حكوماتها لا تحظى إلا بتأييد أقليات برلمانية، واستطلاعات الرأي تكشف عن هشاشة الحكومات الأوروبية، بما يجعل خوض الحرب قرارا انتحاريا، سيقضي على البقية الباقية من مهابة أوروبا والغرب وحلف الناتو. لهذا تعد خطة ترامب إنقاذا ليس لأوكرانيا وحدها، بل لأوروبا والغرب عموما من حرب عالمية مدمرة، ستنجر إليها الولايات المتحدة بالضرورة، ومع أن خطة ترامب تنقذ أوكرانيا من انهيار وشيك، فإنها تمنح روسيا النصر الذي كانت تحتاجه، وتستجيب لما كانت قد أعلنته، وإن كانت تأمل أن تستعيد الأراضي التي كانت جزءا من روسيا لقرون طويلة، وتشمل كل شرق نهر الدنيبر وأوديسا، أي نصف أوكرانيا، باعتبارها أرضا روسية، وغالبية سكانها من الروس، لكن خطة ترامب تمنح روسيا ما طالبت به، ويعد انتصارا كبيرا، لأنه يضمن نفوذا قويا لروسيا على باقي أوكرانيا، ويعيد هيبتها العسكرية، والتي سيكون لها نتائجها على كل أوروبا والعالم. من المرجح أن تعلو أصوات رافضة لخطة ترامب في أوروبا، لكن المرجح أن تهدأ لأن البديل أكثر صعوبة. أما المستقبل السياسي للرئيس زلينيسكي فسيكون في مهب الريح، خاصة مع اتساع اتهامات بالفساد تلاحق مقربين منه. إن إعلان خطة ترامب ستكون نقلة نوعية في كل الحالات، فإما أن تجد طريقها للتنفيذ بأفضل نصر ممكن لروسيا، وأفضل هزيمة لأوكرانيا تبقي على وجودها، أو بداية اشتعال حرب أشد وطأة، تغير التاريخ والجغرافيا.
#نقلا عن جريدة الأهرام#
