الإقتصاد أحد جذور الحروب

كتب محمد إسماعيل:
بعد ان توقفنا فى المقال السابق عن النيوليبراية نواصل في هذا المقال سلسلة النقاش أو حول النيوليبرالية بوصفها مشروعاً اقتصادياً وسياسياً وثقافياً ، لا مجرد مجموعة سياسات مالية. بعد أن تناولنا علاقتها بالدَّين، وبالدولة الضعيفة، وباللامساواة، وبإعادة تشكيل الأخلاق والوعي، نصل هنا إلى إحدى أخطر نتائجها: تحويل الأزمات المعيشية إلى أزمات أمنية، وتحويل الجوع إلى عنف، والخبز إلى رصاص. هذا المقالويحاول الربط بين السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وتفكك الدولة وتصاعد الصراعات المسلحة، مع تركيز على السودان نموذجا، ووضع هذه التجربة في سياق تاريخي ونظري أوسع.
من الناحية النظرية، لا تنظر النيوليبرالية إلى العنف والحرب بوصفهما نتيجة محتملة لسياسات اقتصادية قاسية، بل تتعامل معهما كقضايا “منفصلة”: الاقتصاد شيء، والأمن شيء آخر. لكن التجربة التاريخية في دول الجنوب تثبت أن هذا الفصل وهمي. حين تُفكك الدولة اقتصادياً، ويُجرد المجتمع من شبكات الأمان، ويُترك السوق بلا ضوابط، يصبح العنف شكلاً من أشكال إعادة توزيع السلطة والموارد. فالناس لا تنتقل من السلم إلى الحرب فجأة؛ بل تنزلق إليها حين تسدّ السياسة الاقتصادية أبواب العيش الكريم.
في السودان، تشكلت جذور هذا الانزلاق منذ وقت مبكر. فمنذ الثمانينيات، ومع بداية تطبيق برامج “الإصلاح الهيكلي”، بدأت الدولة تنسحب تدريجياً من دعم الزراعة والخدمات، وتتراجع عن دورها في تنظيم الاقتصاد الريفي. في الوقت نفسه، لم تُبنَ بدائل إنتاجية حقيقية، ولم تُدمج الأقاليم المهمشة في مشروع وطني جامع. هكذا تشكلت فجوة بين المركز والأطراف فى نظر لها منظروا الهامش والمركز فى السودان بطريقة مبتسرة، فجوة بين من يملك الخبز ومن يُترك للجوع، وهي فجوة لم تكن اجتماعية فقط، بل سياسية وأمنية أيضاً.
مع كل موجة رفع دعم وتعويم عملة وتقليص للإنفاق العام، كانت قدرة الدولة على احتواء الغضب الاجتماعي تضعف. في الأقاليم، حيث يعتمد الناس على الزراعة والرعي، لم تعد الدولة قادرة على حماية سبل العيش، ولا على توفير الخدمات، ولا على حل النزاعات على الموارد. وحين تغيب الدولة، لا يبقى الفراغ فارغاً؛ تملؤه المليشيات، والسلاح، وشبكات العنف. بهذا المعنى، لم يكن حمل السلاح خياراً أيديولوجياً في كثير من الحالات، بل خيار بقاء في اقتصاد انهارت فيه سبل الحياة.
تاريخ الحروب في السودان يوضح هذا المسار بجلاء. فدارفور، التي انفجرت فيها الحرب في مطلع الألفية، لم تكن مجرد مسرح لصراع إثني كما صُوّر إعلامياً، بل منطقة عانت لعقود من تهميش اقتصادي، وتراجع في دعم الزراعة، وغياب التنمية، وتنافس حاد على الموارد في ظل تغيّر المناخ. حين سُحبت الدولة اقتصادياً، وحين تُرك الناس يواجهون شح الأرض والماء بلا تنظيم ولا عدالة، تحوّل الصراع الاجتماعي إلى عنف مسلح.
النيوليبرالية هنا لا تُشعل الحرب مباشرة، لكنها تخلق شروطها. فهي تُضعف الدولة المدنية وتترك الساحة مفتوحة أمام الفاعلين المسلحين. تُفكك الاقتصاد الرسمي وتدفع الناس نحو اقتصاديات ظل، غالباً ما تكون مسلحة. تُراكم الغضب واليأس، ثم تتعامل مع نتائجه باعتبارها “مشكلات أمنية” تستدعي القمع، لا الإصلاح. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مفرغة: سياسات اقتصادية قاسية، احتجاجات، قمع، تمرد، عسكرة، ثم مزيد من السياسات القاسية بحجة “الاستقرار”.
في السودان بعد 2019، ظهر هذا التناقض بوضوح. فبدلاً من أن يكون الانتقال السياسي فرصة لإعادة بناء الاقتصاد على أسس العدالة الاجتماعية، جرى إخضاعه لأولويات “الاستقرار المالي” ورضا المؤسسات الدولية. رُفعت الأسعار، وتدهورت القدرة الشرائية، وتآكلت شرعية الدولة الانتقالية في نظر قطاعات واسعة من المجتمع البعيد من الخرطوم وبعض مجتمع الخرطوم. ومع تراجع الثقة، وتفاقم الفقر، بقي السلاح هو القوة المنظمة الوحيدة خارج السوق ولكنها للاسف كانت سلاحا زودوا به من قوى السوق الخارجية مثل الامارات ووكلائها المحليين داخل الدولة حينذاك. وحين انفجرت الحرب في 2023، كانت الأرضية الاقتصادية والاجتماعية قد تآكلت إلى الحد الذي جعل الانفجار ممكناً.
الربط بين الاقتصاد والحرب لا يقتصر على السودان. ففي دول عديدة، من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا، أدت السياسات النيوليبرالية إلى تفكيك الدول الهشة وإعادة إنتاج العنف. في أمريكا الوسطى مثلاً، أدت الخصخصة وانسحاب الدولة إلى صعود عصابات مسلحة تسيطر على الأحياء والاقتصاد. وفي أجزاء من إفريقيا، أدى تراجع الدولة إلى حروب على الموارد، حيث يصبح السلاح أداة تفاوض اقتصادي. هذه الأمثلة تؤكد أن السوق حين يُترك بلا دولة، لا ينتج سلاماً، بل ينتج صراعات.
الأخطر من ذلك أن النيوليبرالية، بعد أن تخلق شروط العنف، تستفيد منه. فالحرب تبرر مزيداً من الخصخصة، ومزيداً من القمع، ومزيداً من عسكرة الاقتصاد. تُفتح أسواق جديدة لإعادة الإعمار، وتُدار الموارد عبر شبكات مغلقة، ويُعاد تشكيل الدولة بوصفها جهازاً أمنياً أكثر من كونها مؤسسة اجتماعية. وهكذا يتحول العنف من فشل للسياسات الاقتصادية إلى جزء من وظيفتها.
إن فهم الحرب في السودان بمعزل عن الاقتصاد هو اختزال خطير. فالخبز الذي غاب، والدعم الذي رُفع، والأرض التي تُركت بلا تنظيم، والموارد التي سُلّعت، كلها مهدت الطريق للرصاص. وحين يُختزل الصراع في كونه “عسكرياً” فقط، تُفقد القدرة على معالجته جذرياً. فلا سلام بلا عدالة اقتصادية، ولا دولة بلا عقد اجتماعي، ولا استقرار بلا اقتصاد يخدم الناس لا الأسواق.
من الخبز إلى الرصاص، هذا هو المسار الذي يجب كسره. وكسرُه لا يكون بالحلول الأمنية وحدها، ولا بإدارة الحرب، بل بإعادة بناء الدولة على أسس اقتصادية جديدة: دولة تحمي سبل العيش، وتنظم الموارد، وتعيد توزيع الثروة، وتُخرج الناس من اقتصاد العنف إلى اقتصاد الحياة. اليوم خرجت مع بعض السودانيين فى لندن لاحياء ثورة ديسمبر الباسلة. كانوا من شتى المشارب، قحاطة وداعمى الدولة وغيرهم ولكن فى دخيلتى كنت استبطن ان هذه الثورة اذا جاءت من جديد يجب ان تعى خطورة سرقتها من قوى الاستعمار مثل ما حدث وهذا اقل شى يحفظ لنا جهود شهداء الثورة.
في المقالات القادمة من هذه السلسلة، سنواصل تفكيك العلاقة بين النيوليبرالية والحرب، وبين السوق والدولة، وبين الاقتصاد والسيادة، مع التركيز على ما يعنيه ذلك عملياً لمستقبل السودان.
