العرب وافريقياعاجلمقالات

النيوليبرالية والموارد الذهب والأرض والزراعة كغنائم

كتب محمد إسماعيل:

نواصل في هذا المقال سلسلة التفكيك النقدي للنيوليبرالية، بعد أن ناقشنا علاقتها بالدَّين، وبالدولة الضعيفة، وباللامساواة، وبالحرب. نصل هنا إلى قلب المسألة في السودان فالذهب، والأرض، والزراعة، التي كان يفترض أن تكون أساس التنمية وبناء الدولة، تحولت في ظل النيوليبرالية إلى غنائم، وإلى وقود للصراع، وإلى مصادر إثراء سريع لفئات محدودة، لا رافعة لرفاه المجتمع. 

من الناحية النظرية، تقدّم النيوليبرالية الخصخصة وفتح الأسواق بوصفهما طريقاً لـ“الاستخدام الأمثل للموارد”. الدولة، في هذا التصور، غير كفؤة، والقطاع الخاص أقدر على الإدارة، والسوق أذكى من التخطيط العام. لكن هذا المنطق يفترض وجود دولة قوية تضع القواعد وتفرض القانون وتمنع الاحتكار. في دول هشة مثل السودان، يحدث العكس تماماً: الخصخصة لا تعني كفاءة، بل تعني رفع يد الدولة وفتح الباب للنهب. فتح السوق لا ينتج تنافساً، بل سباقاً محموماً للسيطرة بالقوة والمال.

في السودان، تتجسد هذه المفارقة بوضوح في قطاع الذهب. فمنذ توسع التعدين الأهلي ثم شبه الصناعي، لم تتعامل الدولة مع الذهب بوصفه مورداً سيادياً يجب تنظيمه وربطه بالتنمية، بل بوصفه سلعة تُترك للسوق. النتيجة كانت نشوء اقتصاد موازٍ خارج الرقابة، تتداخل فيه التجارة بالتهريب، ورأس المال بالسلاح، والربح السريع بالعنف. لم يتحول الذهب إلى مدارس ومستشفيات وبنية تحتية، بل إلى مصدر تمويل لشبكات مسلحة، وإلى عامل رئيسي في تفكك الدولة. النيوليبرالية هنا لم “تحرر” المورد، بل سلّعته، وحوّلته من ثروة عامة إلى غنيمة.

الأرض، وهي مورد السودان الأهم تاريخياً، شهدت المصير ذاته. تحت شعار الاستثمار وفتح الأسواق، جرى التعامل مع الأرض كأصل مالي، لا كقاعدة حياة لمجتمعات ريفية. أُعيد توزيع الأرض عبر قرارات إدارية، أو صفقات غير شفافة، أو استثمارات كبيرة لا تراعي حقوق السكان المحليين. وحين تُسحب الأرض من وظيفتها الاجتماعية، وتُمنح لمن يملك رأس المال أو النفوذ، يتحول الصراع من نزاع على سبل العيش إلى صراع على البقاء. كثير من النزاعات في الأقاليم السودانية ليست سوى نزاعات موارد، غذّتها سياسات خصخصة الأرض وغياب التنظيم العادل.

أما الزراعة، التي كان يفترض أن تكون عماد الاقتصاد الوطني، فقد تضررت بعمق من السياسات النيوليبرالية. انسحبت الدولة من التمويل، ومن التسويق، ومن حماية المنتج المحلي، وتركت المزارع في مواجهة السوق العالمي دون أدوات. في الوقت نفسه، فُتحت البلاد أمام الواردات الغذائية، فأصبح المنتج المحلي غير قادر على المنافسة. هكذا تحولت الزراعة من نشاط إنتاجي مستقر إلى مغامرة خاسرة، ودُفع المزارعون إما إلى الهجرة، أو إلى الاقتصاد غير الرسمي، أو إلى الارتهان للسماسرة. الزراعة، بدلاً من أن تكون أداة استقرار، أصبحت إحدى ساحات الهشاشة.

الخطير في هذا المسار أن النيوليبرالية لا تفصل بين الاقتصاد والسياسة. حين تُنهب الموارد باسم السوق، وتُفكك الدولة باسم الكفاءة، يصبح التحكم في الموارد مسألة قوة لا قانون. وهنا تتقاطع الخصخصة مع العسكرة. من يسيطر على الذهب يسيطر على السلاح، ومن يسيطر على الأرض يسيطر على الناس، ومن يسيطر على الغذاء يسيطر على السياسة. بهذا المعنى، لا تكون الموارد مجرد عوامل اقتصادية، بل محركات صراع.

التجربة السودانية تُظهر أن فتح الأسواق دون بناء دولة عادلة لا يؤدي إلى تنمية، بل إلى تفكيك. فالخصخصة في سياق هش لا تنقل الموارد من الدولة إلى المجتمع، بل من المجتمع إلى قلة مرتبطة بالسلطة والسوق العالمي. وما يُقدَّم كإصلاح اقتصادي يتحول عملياً إلى إعادة توزيع للثروة بالعنف أو بالتحايل القانوني. لذلك لم تؤدِّ سياسات النيوليبرالية إلى استقرار أو نمو شامل، بل إلى اقتصاد غنائم، حيث تصبح الموارد هدفاً للصراع لا أساساً للتنمية.

هذا المسار ليس قدراً محتوماً. فالموارد يمكن أن تكون أساساً لبناء دولة، إذا أُعيد تعريفها بوصفها ملكاً عاماً، وربطت بإستراتيجيات إنتاجية طويلة الأمد، وخضعت لرقابة ديمقراطية، وتوزيع عادل للعوائد. لكن النيوليبرالية، بطبيعتها، تعادي هذا التصور، لأنها ترى في الدولة القوية والتنظيم العام عائقاً أمام السوق.

في السودان اليوم، ومع الحرب والانهيار، تتضاعف خطورة هذا النموذج. فالموارد تُستنزف في لحظة ضعف تاريخية، وتُستخدم لتمويل الصراع بدل الخروج منه. ومن دون قطيعة واعية مع منطق النيوليبرالية في إدارة الموارد، سيظل الذهب سبباً للحرب، والأرض ساحة نزاع، والزراعة قطاعاً مهمشاً، بدل أن تكون هذه كلها جسوراً نحو السلام.

في البوستات القادمة من هذه السلسلة، سنواصل ربط النيوليبرالية بقضايا السيادة، والتنمية، وإعادة بناء الدولة، لأن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نفتح السوق؟ بل: لصالح من تُدار الموارد؟ ومن يدفع ثمن هذا الاختيار؟

زر الذهاب إلى الأعلى