
كتب محمد إسماعيل:
هناك التباساً حقيقياً يستحق التوقف عنده بجدية واحترام.
أولاً: هل الفردية نقيض للتضامن الاجتماعي؟
أليست المجتمعات القوية تاريخياً هي التي جمعت بين الفرد القوي والمجتمع القوي؟
الإجابة المختصرة: نعم، لكن هذه ليست الفردية التي تروج لها النيوليبرالية.
الفردية في معناها الإنساني والتاريخي تعني الاعتراف بكرامة الفرد، بحقوقه، وبحريته في الاختيار والتعبير وتحقيق الذات داخل مجتمع منظم، تحكمه قواعد، ويقوم على تضامن ومؤسسات. هذه الفردية كانت دائماً مشروطة بوجود دولة قانون، تعليم عام، عدالة، ونقابات، وروابط اجتماعية تحمي الضعيف وتحد من تغول القوي.
أما الفردية النيوليبرالية فهي شيء مختلف تماماً. هي فردية تُطرَح في سياق دولة ضعيفة، قانون غائب، تعليم متدهور، وفساد واسع – كما هو الحال في السودان. في هذا السياق، لا تعني الفردية تمكين الإنسان، بل تحميله وحده كلفة الفشل الجماعي. يصبح الفرد “مسؤولاً عن نفسه” ليس لأنه حر، بل لأن الدولة انسحبت، ولأن المجتمع تُرك بلا أدوات حماية.
في السودان، حين يُقال للمواطن: “اعتمد على نفسك”، فغالباً ما يُقال ذلك في غياب التعليم الجيد، والوظيفة المستقرة، والرعاية الصحية، والقانون. هنا لا تكون الفردية تكاملاً مع التضامن، بل بديلاً عنه. ولهذا يصبح التناقض حقيقياً، لا نظرياً.
ثانياً: إذا كانت الميديا تُشكّل الوعي، فلماذا تسمح بنقد النيوليبرالية؟ هذا سؤال ذكي، والإجابة عليه تزيل سوء فهم شائع.
القول بأن الإعلام ووسائل التواصل تُستخدم لإعادة هندسة الوعي لا يعني أنها آلة صماء تُنتج خطاباً واحداً فقط. بل يعني أنها ساحة غير متكافئة: تسمح بالنقد، لكنها لا تمنحه نفس القوة، ولا نفس الانتشار، ولا نفس الاستدامة.
نعم، السوشيال ميديا حملت خطاباً نقدياً واسعاً، ومنها بوستاتى او مقالاتي نفسها، وحملت حملات تضامن، وكشفت فساداً، وساعدت في تنظيم مظاهرات، والتعريف بالتكايا والمبادرات. هذا لا أنكره أبداً. لكن السؤال الأهم: أي خطاب هو السائد؟ وأي خطاب يتحول إلى “حس عام”؟
في السودان، كما في غيره، ينتشر النقد غالباً في لحظات الغضب والأزمات، لكنه يُحاصر وسط طوفان من محتوى الاستهلاك، والإلهاء، والخطاب الفردي: النجاح الشخصي، تطوير الذات، الهجرة، “اشتغل على نفسك”، “كن مرناً”، “اقتنص الفرص”. النقد موجود، لكنه لا يتحول بسهولة إلى وعي بنيوي مستقر، لأن المنصة نفسها مصممة لتشجيع السرعة، الفردانية، والتفاعل اللحظي، لا التفكير الجماعي طويل النفس. بمعنى آخر: السماح بالنقد لا ينفي الهيمنة؛ بل قد يكون جزءاً من إدارتها.
ثالثاً: هل في نقد “تطوير الذات” قسوة على المواطن السوداني؟ هذا ربما أكثر الأسئلة حساسية، ويستحق إجابة دقيقة.
لا، نقد “تطوير الذات” أو “بناء المسار المهني” لا ينفي حق الفرد في تحسين حياته، ولا يدعو الناس لانتظار الدولة مكتوفي الأيدي. هذا حق مشروع، بل ضرورة في واقع السودان القاسي.
لكن النقد موجَّه إلى تحويل هذا الحق إلى أيديولوجيا بديلة عن السياسة. حين يصبح تطوير الذات ليس خياراً شخصياً، بل الخطاب الوحيد المسموح به، يُستخدم لإسكات أي سؤال عن العدالة، وعن الدولة، وعن توزيع الموارد. وحين يصبح مروجى التنمية البشرية نجوما يعرفون بالاسم واليوسر نيم فى الميديا الاجتماعية يصبح سؤالى مشروعا.
في السودان خلال 36 عاماً، لم يكن المواطن “كسولاً” أو “رافضاً للعمل”، بل كان يحاول النجاة. المشكلة أن الخطاب النيوليبرالي يعيد تفسير هذه النجاة الفردية بوصفها الحل، لا الاستثناء. وهنا تحدث “خصخصة الإنسان”: حين يُطلب من الفرد أن يعالج في جسده وعقله ومساره المهني ما هو في الأصل أزمة نظام كامل. النقد هنا ليس أخلاقياً ضد الناس، بل سياسي ضد المنظومة التي تقول: “نجاتك مسؤوليتك وحدك، وفشلك خطؤك وحدك”.
رابعاً: ما الفرق بين الإمبريالية والنيوليبرالية؟ وهل الكمبرادور جديد؟ الإمبريالية والنيوليبرالية ليستا الشيء نفسه، لكنهما مرتبطتان تاريخياً.
الإمبريالية الكلاسيكية وقبلها الكولونيالية كانت تقوم على السيطرة المباشرة: احتلال، إدارة استعمارية، نهب صريح للموارد.
النيوليبرالية هي المرحلة الأحدث: سيطرة غير مباشرة عبر السوق، الديون، القواعد التجارية، المؤسسات الدولية، والنخب المحلية.
الكمبرادور ليس جديداً، لكنه تغير. في الماضي كان تاجراً وسيطاً. اليوم قد يكون خبيراً اقتصادياً، أو تكنوقراطياً، أو مدير منظمة، أو إعلامياً “محايداً”، أو رجل أعمال يعمل بلغة عالمية ناعمة. الوظيفة واحدة: ربط الداخل بمنطق الخارج، وتقديم ذلك كعقلانية وحداثة.
في السودان، هذا التحول واضح. لم يعد الدفاع عن النيوليبرالية يتم عبر خطاب فظ، بل عبر لغة تقنية: “إصلاح”، “حوكمة”، “استدامة”، “واقعية”. وهنا تكمن خطورتها.
هذه الاسئلة لا تُضعف النقد الموجه للنيوليبرالية، بل تُعمّقه. وهي تذكّرنا بأن المعركة ليست بين “الناس” و“الدولة”، ولا بين “الفرد” و“المجتمع”، بل بين تصورين للحياة:
تصور يرى الإنسان مشروعاً فردياً في سوق قاسٍ،
وتصور يراه مواطناً في مجتمع يستحق الحماية والعدالة.
هذه السلسلة لا تهدف إلى إدانة الأفراد، بل إلى تفكيك الخطاب الذي يُقنعهم بأن ما يعيشونه قدر، لا اختياراً سياسياً. وسأواصل الكتابة فيها.
